تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رسلهم . فحصل هذا المعنى الثاني بغاية الإيجاز مع حسن موقع الاستطراد .

وإجراء وصفي ﴿ العزيز الحكيم ﴾ على اسم الجلالة دون غيرهما لأن لهاتين الصفتين مزيد اختصاص بالغرض المقصود من أن الله يصطفي من يشاء لرسالته . ف ﴿ العزيز ﴾ المتصرف بما يريد لا يصده أحد . و ﴿ الحكيم ﴾ يحمل كلامه معاني لا يبلغ إلى مثلها غيره ، وهذا من متممات الغرض الذي افتتحت به السورة وهو الإشارة إلى تحدي المعاندين بأن يأتوا بسورة مثل سور القرآن .

وجملة ﴿ كذلك يوحي إليك ﴾ إلى آخرها ابتدائية ، وتقديم المجرور من قوله ﴿ كذلك ﴾ على ﴿ يوحي إليك ﴾ للاهتمام بالمشار إليه والتشويق بتنبيه الأذهان إليه ، وإذ لم يتقدم في الكلام ما يحتمل أن يكون مشارا إليه ب ﴿ كذلك ﴾ علم أن المشار إليه مقدر معلوم من الفعل الذي بعد اسم الإشارة وهو المصدر المأخوذ من الفعل ، أي كذلك الإيحاء يوحي إليك الله . وهذا استعمال متبع في نظائر هذا التركيب كما تقدم في قوله تعالى : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ في سورة البقرة . وأحسب أنه من مبتكرات القرآن إذ لم أقف على مثله في كلام العرب قبل القرآن . وما ذكره الخفاجي في سورة البقرة من تنظيره بقول زهير :

كذلك خيمهم ولكل قوم

إذا مستهم الضراء خيم

لا يصح لأن بيت زهير مسبوق بما يصلح أن يكون مشارا إليه ، وقد فاتني التنبيه على ذلك فيما تقدم من الآيات فعليك بضم ما هنا إلى ما هنالك .

والجار والمجرور صفة لمفعول مطلق محذوف دل عليه ﴿ يوحي ﴾ أي إيحاء كذلك الإيحاء العجيب . والعدول عن صيغة الماضي إلى صيغة المضارع في قوله : ﴿ يوحي ﴾ للدلالة على أن إيحاءه إليه متجدد لا ينقطع في مدة حياته الشريفة لييأس المشركون من إقلاعه بخلاف قوله : ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ﴾ ( الشورى : 52 ) وقوله : ﴿ وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا ﴾ ( الشورى : 7 ) إذ لا غرض في إفادة معنى التجدد هناك . وأما مراعاة التجدد هنا

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٥ · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٥ · ص ٢٧