تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمعنى ﴿ ومن يعش ﴾ من ينظر نظرا غير متمكن في القرآن ، أي من لا حظ له إلا سماع كلمات القرآن دون تدبر وقصد للانتفاع بمعانيه ، فشبه سماع القرآن مع عدم الانتفاع به بنظر الناظر دون تأمل .

وعدي ﴿ يعش ﴾ ب ﴿ عن ﴾ المفيدة للمجاوزة لأنه ضمن معنى الإعراض عن ذكر الرحمن وإلا فإن حق عشا أن يعدى ب ( إلى ) كما قال الحطيئة :

متى تأته تعشه إلى ضوء ناره

تجد خير نار عندها خير موقد

ولا يقال : عشوت عن النار إلا بمثل التضمين الذي في هاته الآية . فتفسير من فسر ﴿ يعش عن ذكر الرحمن ﴾ بمعنى يعرض : أراد تحصيل المعنى باعتبار التعدية ب ﴿ عن ﴾ ، وإنكار من أنكر وجود ( عشا ) بمعنى أعرض أراد إنكار أن يكون معنى أصليا لفعل ( عشا ) وظن أن تفسيره بالإعراض تفسير لمعنى الفعل وليس تفسيرا للتعدية ب ﴿ عن ﴾ فالخلاف بين الفريقين لفظي .

و ﴿ ذكر الرحمن ﴾ هو القرآن المعبر عنه بالذكر في قوله : ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحا ﴾ ( الزخرف : 5 ) . وإضافته إلى ﴿ الرحمن ﴾ إضافة تشريف وهذا ثناء خامس على القرآن .

والتقييض : الإتاحة وتهيئة شيء لملازمة شيء لعمل حتى يتمه ، وهو مشتق من اسم جامد وهو قيض البيضة ، أي القشر المحيط بما في داخل البيضة من المح لأن القيض يلازم البيضة فلا يفارقها حتى يخرج منها الفرخ فيتم ما أتيح له القيض .

فصيغة التفعيل للجعل مثل طين الجدار : ومثل أزره ، أي ألبسه الإزار ، ودرعوا الجارية ، أي ألبسوها الدرع . وأصله هنا تشبيه أي نجعله كالقيض له ، ثم شاع حتى صار معنى مستقلا ، وقد تقدم في قوله تعالى : ﴿ وقيضنا لهم قرناء ﴾ في سورة فصلت فضم إليه ما هنا . وأتى الضمير في ﴿ له ﴾ مفردا لأن لكل واحد ممن تحقق فيهم الشرط شيطانا وليس لجميعهم شيطان واحد ولذلك سيجيء في قوله : ﴿ قال يا ليت بيني وبينك ﴾ ( الزخرف : 38 ) بالإفراد ، أي قال كل من له قرين لقرينه .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٥ · الصفحة ٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٥ · ص ٢٠٩