تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كان الاصطفاء للرسالة رحمة لمن يصطفى لها ورحمة للناس المرسل إليهم ، جعل تحكمهم في ذلك قسمة منهم لرحمة الله باختيارهم من يختار لها وتعيين المتأهل لإبلاغها إلى المرحومين .

ووجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأضيف لفظ ( الرب ) إلى ضميره إيماء إلى أن الله مؤيده تأنيسا له ، لأن قولهم : ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ ( الزخرف : 31 ) قصدوا منه الاستخفاف به ، فرفع الله شأنه بإبلاغ الإنكار عليهم بالإقبال عليه بالخطاب وبإظهار أن الله ربه ، أي متولي أمره وتدبيره .

وجملة ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم ﴾ تعليل للإنكار والنفي المستفاد منه ، واستدلال عليه ، أي لما قسمنا بين الناس معيشتهم فكانوا مسيرين في أمورهم على نحو ما هيأنا لهم من نظام الحياة وكان تدبير ذلك لله تعالى ببالغ حكمته ، فجعل منهم أقوياء وضعفاء ، وأغنياء ومحاويج ، فسخر بعضهم لبعض في أشغالهم على حساب دواعي حاجة الحياة ، ورفع بذلك بعضهم فوق بعض ، وجعل بعضهم محتاجا إلى بعض ومسخرا به . فإذا كانوا بهذه المثابة في تدبير المعيشة الدنيا ، فكذلك الحال في إقامة بعضهم دون بعض للتبليغ فإن ذلك أعظم شؤون البشر . فهذا وجه الاستدلال .

والسخري بضم السين وبكسرها وهما لغتان ولم يقرأ في القراءات المشهورة إلا بضم السين . وقرأ ابن محيص في الشاذ بكسر السين : اسم للشيء المسخر ، أي المجبور على عملل بدون اختياره ، واسم لمن يسخر به ، أي يستهزأ به كما في ( مفردات ) الراغب و ( الأساس ) و ( القاموس ) . وقد فسر هنا بالمعنيين كما قال القرطبي . وقال ابن عطية : هما لغتان في معنى التسخير ولا تدخل لمعنى الهزء في هذه الآية . ولم يقل ذلك غيره وكلام الراغب محتمل . واقتصر الطبري على معنى التسخير . فالوجه في ذلك أن المعنيين معتبران في هذه الآية . وإيثار لفظ ﴿ سخريا ﴾ في الآية دون غيره لتحمله للمعنيين وهو اختيار من وجوه الإعجاز فيجوز أن يكون المعنى ليتعمل بعضهم بعضا في شؤون حياتهم فإن الإنسان مدني ، أي محتاج إلى إعانة بعضه بعضا ، وعليه فسر الزمخشري وابن عطية وقاله السدي وقتادة والضحاك وابن زيد ،

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٥ · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٥ · ص ٢٠١