يقتضيه دين الشرك . ولا نظر في الآية لمن كان يومئذ من المسلمين لأنهم النادر ، على أن المسلم قد يخامره بعض هذا الخلق وترتسم فيه شيات منه ولكن إيمانه يصرفه عنه انصرافا بقدر قوة إيمانه ، ومعلوم أنه لا يبلغ به إلى الحد الذي يقول ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ، ولكنه قد تجري أعمال بعض المسلمين على صورة أعمال من لا يظن أن الساعة قائمة مثل أولئك الذين يأتون السيئات ثم يقولون : إن الله غفور رحيم ، والله غني عن عذابنا ، وإذا ذكر لهم يوم الجزاء قالوا : ما ثم إلا الخير ونحو ذلك ، فجعل الله في هذه الآية مذمة للمشركين وموعظة للمؤمنين كمدا للأولين وانتشالا للآخرين .
.
تفريع على جملة ﴿ ويوم يناديهم أين شركائي ﴾ ( فصلت : 47 ) وما اتصل بها أي فلنعلمنهم بما عملوا علنا يعلمون به أنا لا يخفى علينا شيء مما عملوه وتقريعا لهم .
وقول : ﴿ الذين كفروا ﴾ إظهار في مقام الإضمار ، ومقتضى الظاهر أن يقال : ولننبئنهم بما عملوا ، فعدل إلى الموصول وصلته لما تؤذن به الصلة من علة استحقاقهم الإذاقة بما عملوا وإذاقة العذاب . وقوله : ﴿ ولنذيقنهم من عذاب غليظ ﴾ هو المقصود من التفريع .
والغليظ حقيقته : الصلب ، قال تعالى : ﴿ فاستغلظ فاستوى على سوقه ﴾ ( الفتح : 29 ) ، وهو هنا مستعار للقوي في نوعه ، أي عذاب شديد الإيلام والتعذيب ، كما استعير للقساوة في المعاملة في قوله ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ( التوبة : 73 ) وقوله : ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ ( التوبة : 123 ) .
والإذاقة : مجاز في مطلق الإصابة في الحس لإطماعهم أنها إصابة خفيفة كإصابة الذوق باللسان . وهذا تجريد للمجاز كما أن وصفه بالغليظ تجريد ثان فحصل من ذلك ابتداء مطمع وانتهاء مؤيس .