تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإكثار هنا من أعمالل تتحملها النفس وتثقل بها وذلك متعارف في التبعات والعدوان تقول : أكثرت على فلان ، فمعنى ﴿ أسرفوا على أنفسهم ﴾ : أنهم جلبوا لأنفسهم ما تثقلهم تبعته ليشمل ما اقترفوه من شرك وسيئات .

والقنوط : اليأس ، وتقدم في قوله : ﴿ فلا تكن من القانطين ﴾ في سورة الحجر .

وجملة ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعا ﴾ تعليل للنهي عن اليأس من رحمة الله .

ومادة الغفر ترجع إلى الستر ، وهو يقتضي وجود المستور واحتياجه للستر فدل ﴿ يغفر الذنوب ﴾ على أن الذنوب ثابتة ، أي المؤاخذة بها ثابتة والله يغفرها ، أي يزيل المؤاخذة بها ، وهذه المغفرة تقتضي أسبابا أجملت هنا وفصلت في دلائل أخرى من الكتاب والسنة منها قوله تعالى : ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ﴾ ( طه : 82 ) ، وتلك الدلائل يجمعها أن للغفران أسبابا تطرأ على المذنب ولولا ذلك لكانت المؤاخذة بالذنوب عبثا ينزه عنه الحكيم تعالى ، كيف وقد سماها ذنوبا وتوعد عليها فكان قوله : ﴿ إن الله يغفر الذنوب ﴾ دعوة إلى تطلب أسباب هذه المغفرة فإذا طلبها المذنب عرف تفصيلها . و ﴿ جميعا ﴾ حال من ﴿ الذنوب ﴾ ، أي حال جميعها ، أي عمومها ، فيغفر كل ذنب منها إن حصلت من المذنب أسباب ذلك . وسيأتي الكلام على كلمة ( جميع ) عند قوله تعالى : ﴿ والأرض جميعا قبضته ﴾ في هذه السورة .

وجملة ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ تعليل لجملة ﴿ يغفر الذنوب جميعا ﴾ أي لا يعجزه أن يغفر جميع الذنوب ما بلغ جميعها من الكثرة لأنه شديد الغفران شديد الرحمة . فبطل بهذه الآية قول المرجئة إنه لا يضر مع الإيمان شيء .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٤ · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٤ · ص ٤٢