بقية التفصيل الذي في قوله : ﴿ فأما عاد فاستكبروا ﴾ ( فصلت : 15 ) .
ولما كان حال الأمتين واحدا في عدم قبول الإرشاد من جانب الله تعالى كما أشار إليه قوله تعالى : ﴿ لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ﴾ ( فصلت : 14 ) كان الإخبار عن ثمود بأن الله هداهم مقتضيا أنه هدى عادا مثل ما هدى ثمود وأن عادا استحبوا العمى على الهدى مثل ما استحبت ثمود . والمعنى : وأما ثمود فهديناهم هداية إرشاد برسولنا إليهم وتأييده بآية الناقة التي أخرجها لهم من الأرض .
فالمراد بالهداية هنا : الإرشاد التكليفي ، وهي غير ما في قوله : ﴿ ومن يهد الله فما له من مضل ﴾ ( الزمر : 37 ) فإن تلك الهداية التكوينية لمقابلته بقوله : ﴿ ومن يضللل الله فما له من هاد ﴾ ( غافر : 33 ) .
واستحبوا العمى معناه : أحبوا ، فالسين والتاء للمبالغة مثلهما في قوله : ﴿ فاستكبروا في الأرضض بغير الحق ﴾ ( فصلت : 15 ) ، أي كان العمى محبوبا لهم . والعمى : هنا مستعار للضلال في الرأي ، أي اختاروا الضلال بكسبهم . وضمن ( استحبوا ) معنى : فضلوا ، وهيأ لهذا التضمين اقترانه بالسين والتاء للمبالغة لأن المبالغة في المحبة تستلزم التفضيل على بقية المحبوبات فلذلك عدي ( استحبوا ) بحرف ﴿ على ﴾ ، أي رجحوا باختيارهم . وتعليق ﴿ على الهدى ﴾ بفعل ( استحبوا ) لتضمينه معنى : فضلوا وآثروا .
وفرع عليه ﴿ فأخذتهم صاعقة العذابب الهون ﴾ ، وكان العقاب مناسبا للجرم لأنهم استحبوا الضلال الذي هو مثل العمى ، فمن يستحبه فشأنه أن يحب العمى ، فكان جزاؤهم بالصاعقة لأنها تعمي أبصارهم في حين تهلكهم قال تعالى : ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ ( البقرة : 20 ) .