وعدل عن اسم الجلالة إلى الصفتين ﴿ العزيز الغفار ﴾ لإدماج الاستدلال على استحقاقه الإفراد بالإلهية والعبادة ، بوصفه ﴿ العزيز ﴾ لأنه لا تناله الناس بخلاف أصنامهم فإنها ذليلة توضع على الأرض ويلتصق بها القتام وتلوثها الطيور بذرقها ، ولإدماج ترغيبهم في الإقلاع عن الشرك بأن الموحد بالإلهية يغفر لهم ما سلف من شركهم به حتى لا ييأسوا من عفوه بعد أن أساءوا إليه .
وجملة ﴿ لا جرم أنما تدعونني ﴾ بيان لجملة ﴿ تدعونني لأكفر بالله ﴾ . وكلمة ﴿ لا جرم ﴾ بفتحتين في الأفصح من لغاتت ثلاث فيها ، كلمة يراد بها معنى لا يثبت أو لا بد ، فمعنى ثبوته لأن الشيء الذي لا ينقطع هو باق وكل ذلك يؤول إلى معنى حق وقد يقولون : لا ذا جرم ، ولا أن ذا جرم ، ولا عن ذا جرم ، ولا جر بدون ميم ترخيما للتخفيف .
والأظهر أن { جرم اسم لا فعل لأنه لو كان فعلا لكان ماضيا بحسب صيغته فيكون دخول لا عليه من خصائص استعمال الفعل في الدعاء .
والأكثر أن يقع بعدها ( أن ) المفتوحة المشددة فيقدر معها حرف ( في ) ملتزما حذفه غالبا . والتقدير : لا شك في أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة . وتقدم بيان معنى لا جرم وأن جرم فعل أو اسم عند قوله تعالى : لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون } في سورة هود .
وما صدق ﴿ ما الأصنام ، وأعيد الضمير عليها مفردا في قوله : ليس له ﴾ مراعاة لإفراد لفظ ( ما ) .
وقوله : ﴿ لا جرم أنما تدعونني إليه ﴾ إلى قوله : ﴿ أصحاب النار ﴾ واقع موقع التعليل لجملتي ﴿ ما لي أدعوكم إلى النجواة وتدعونني إلى النار ﴾ لأنه إذا تحقق أن لا دعوة للأصنام في الدنيا بدليل المشاهدة ، ولا في الآخرة بدلالة الفحوى ، فقد تحقق أنها لا تنجي أتباعها في الدنيا ولا يفيدهم دعاؤها ولا نداؤها . وتحقق إذن أن المرجو للإنعام في الدنيا والآخرة هو الرب الذي يدعوهم هو إليه . وهذا دليل إقناعي غير قاطع للمنازع في إلهية رب هذا المؤمن ولكنه أراد إقناعهم