أنه يعجب من دعوتهم إياه لدينهم مع ما رأوا من حرصه على نصحهم ودعوتهم إلى النجاة وما أتاهم به من الدلائل على صحة دعوته وبطلان دعوتهم .
وجملة ﴿ تدعونني لأكفر بالله ﴾ بيان لجملة ﴿ وتدعونني إلى النار ﴾ لأن الدعوة إلى النار أمر مجمل مستغرب فبينه ببيان أنهم يدعونه إلى التلبس بالأسباب الموجبة عذاب النار . والمعنى : تدعونني للكفر بالله وإشراك ما لا أعلم مع الله في الإلهية .
ومعنى ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ ما ليس لي بصحته أو بوجوده علم ، والكلام كناية عن كونه يعلم أنها ليست آلهة بطريق الكناية بنفي اللازم عن نفي الملزوم .
وعطف عليه ﴿ وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ﴾ فكان بيانا لمجمل جملة ﴿ أدعوكم إلى النجواة ﴾ . وإبراز ضمير المتكلم في قوله : ﴿ وأنا أدعوكم ﴾ لإفادة تقوي الخبر بتقديم المسند إليه على خبره الفعلي .
وفعل الدعوة إذا ربط بمتعلق غير مفعوله يعدى تارة باللام وهو الأكثر في الكلام ، ويعدى بحرف ( إلى ) وهو الأكثر في القرآن لما يشتمل عليه من الاعتبارات ولذلك علق به معموله في هذه الآية أربع مرات ب ( إلى ) ومرة باللام مع ما في ربط فعل الدعوة بمتعلقه الذي هو من المعنويات من مناسبة لام التعليل مثل ﴿ تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ﴾ ، وربطه بما هو ذات بحرف ( إلى ) في قوله : ﴿ أدعوكم إلى النجواة ﴾ فإن النجاة هي نجاة من النار فهي نجاة من أمر محسوس ، وقوله : ﴿ وتدعونني إلى النار ﴾ وقوله : ﴿ وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ﴾ الخ ، لأن حرف ( إلى ) دال على الانتهاء لأن الذي يدعو أحدا إلى شيء إنما يدعوه إلى أن ينتهي إليه ، فالدعاء إلى الله الدعاء إلى توحيده بالربوبية فشبه بشيء محسوس تشبيه المعقول بالمحسوس ، وشبه اعتقاده صحته بالوصول إلى الشيء المسعي إليه ، وشبهت الدعوة إليه بالدلالة على الشيء المرغوب الوصول إليه فكانت في حرف ( إلى ) استعارة مكنية وتخييلية وتبعية ، وفي ﴿ العزيز الغفار ﴾ استعارة مكنية ، وفي ﴿ أدعوكم ﴾ استعارة تبعية وتخييلية .