هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب } ( الزمر : 18 ) لأن التفريع يقتضي اتصالا وارتباطا بين المفرع والمفرع عليه وذلك ، كالتفريع في قول لبيد :
أفتلك أم وحشية مسبوعة
خذلت وهادية الصوار قوامها
إذ فرع تشبيها على تشبيه لاختلاف المشبه بهما .
وكلمة ﴿ العذاب ﴾ كلام وعيد الله إياهم بالعذاب في الآخرة . ومعنى ﴿ حق ﴾ تحققت في الواقع ، أي كانت كلمة العذاب المتوعد بها حقا غير كذب ، فمعنى ﴿ حق ﴾ هنا تحقق ، وحق كلمة العذاب عليهم ضد هدي الله الآخرين ، وكونهم في النار ضد كون الآخرين لهم البشرى ، وترتيب المتضادين جرى على طريقة شبه اللف والنشر المعكوس ، نظير قوله تعالى : ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم إلى قوله : ولهم عذاب عظيم ﴾ ( البقرة : 6 ، 7 ) بعد قوله : ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك إلى قوله : أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ﴾ ( البقرة : 4 ، 5 ) ، فإن قوله : ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ ضد لقوله : ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ وقوله : ﴿ ولهم عذاب عظيم ضد قوله : أولئك هم المفلحون ﴾ .
و ( من ) من قوله تعالى : ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ روي عن ابن عباس أن المراد بها أبو لهب وولده ومن تخلف عن الإيمان من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ( من ) مبتدأ حذف خبره . والتقدير : تنقذه من النار ، كما دل عليه ما بعده وتكون جملة ﴿ أفأنت تنقذ من في النار ﴾ تذييلا ، أي أنت لا تنقذ الذين في النار . والهمزة للاستفهام الإنكاري ، والهمزة الثانية كذلك . وإحداهما تأكيد للأخرى التي قبلها للاهتمام بشأن هذا الاستفهام الإنكاري على نحو تكرير ( أن ) في قول قس بن ساعدة :
لقد علم الحي اليمانون أنني
إذ قلت : أما بعد ، أني خطيبها
والذي درج عليه صاحب ( الكشاف ) وتبعه شارحوه أن ( من ) في قوله : ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ شرطية ، بناء على أن الفاء في قوله : { أفأنت تنقذ من