أجمل هنا وإن كان متأخرا إذ المقصود من سوق القصة هنا الاتعاظ بكبر إبليس دون ما نشأ عن ذلك . ويجوز أن يكون ﴿ إذ قال ربك ﴾ منصوبا بفعل مقدر ، أي اذكر إذ قال ربك للملائكة ، وهو بناء على أن ضمير ﴿ هو نبؤا عظيم ﴾ ( ص : 67 ) ليس ضمير شأن بل هو عائد إلى ما قبله وأن ﴿ إذ يختصمون ﴾ ( ص : 69 ) مراد به خصومة أهل النار . وقصة خلق آدم تقدم ذكرها في سور كثيرة أشبهها بما هنا ما في سورة الحجر ، وأبينها ما في سورة البقرة .
ووقع في سورة الحجر ﴿ إلا إبليس أبى ﴾ وفي هذه السورة ﴿ إلا إبليس استكبر ﴾ فيكون ما في هذه الآية يبين الباعث على الإباية . ووقعت هنا زيادة ﴿ وكان من الكافرين ﴾ ، وهو بيان لكون المراد في سورة الحجر من قوله : ﴿ أن يكون مع الساجدين ﴾ الإباية من الكون من الساجدين لله ، أي المنزهي الله عن الظلم والجهل .
ووقع في هذه السورة ﴿ وكان من الكافرين ﴾ ، ومعناه أنه كان كافرا ساعتئذ ، أي ساعة إبائه من السجود ولم يكن قبل كافرا ، ففعل ﴿ كان ﴾ الذي وقع في هذا الكلام حكاية لكفره الواقع في ذلك الوقت . قال الزجاج : ( ( كان ) جار على باب سائر الأفعال الماضية إلا أن فيه إخبارا عن الحالة فيما مضى ، إذا قلت : كان زيد عالما ، فقد أنبأت عن أن حالته فيما مضى من الدهر هذا ، وإذا قلت : سيكون عالما فقد أنبأت عن أن حالة ستقع فيما يستقبل ، فهما عبارتان عن الأفعال والأحوال ) اه .
وقد بدت من إبليس نزعة كانت كامنة في جبلته وهي نزعة الكبر والعصيان ، ولم تكن تظهر منه قبل ذلك لأن الملأ الذي كان معهم كانوا على أكمل حسن الخلطة فلم يكن منهم مثير لما سكن في نفسه من طبع الكبر والعصيان . فلما طرأ على ذلك الملأ مخلوق جديد وأمر أهل الملأ الأعلى بتعظيمه كان ذلك موريا زناد الكبر في نفس إبليس فنشأ عنه الكفر بالله وعصيان أمره .