جرى على اعتبارات الإعراب تفرقة بين موقع ( أن ) المفتوحة وموقع ( إن ) المكسورة ولهذا الفرق بين الفتحح والكسر اطرد وجها فتحح الهمزة وكسرها في نحو ( خير القول أني أحمد ) .
وقد ذكرنا في قوله تعالى : ﴿ فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين في سورة ﴾ ( الأنفال : 9 ) رأينا في كون ( أن ) المفتوحة الهمزة المشددة النون مركبة من ( أن ) التفسيرية ( وأن ) الناسخة . والخبر مستعمل في الدعاء والشكاية ، كقوله : ﴿ رب إني وضعتها أنثى ﴾ ( آل عمران : 36 ) ، وقد قال في آية سورة الأنبياء { أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين .
والنصب ، بضم النون وسكون الصاد : المشقة والتعب ، وهي لغة في نصب بفتحتين ، وتقدم النصب في سورة الكهف . وقرأ أبو جعفر بنصب } بضم الصاد وهو ضم إتباع لضم النون .
والعذاب : الألم . والمراد به المرض يعني : أصابني الشيطان بتعب وألم . وذلك من ضر حل بجسده وحاجة أصابته في ماله كما في الآية الأخرى ﴿ أني مسني الضر ﴾ ( الأنبياء : 83 ) .
وظاهر إسناد المس بالنصب والعذاب إلى الشيطان أن الشيطان مس أيوب بهما ، أي أصابه بهما حقيقة مع أن النصب والعذاب هما الماسان أيوب ، ففي سورة الأنبياء ﴿ أني مسني الضر فأسند المس إلى الضر ، والضر هو النصب والعذاب . وترددت أفهام المفسرين في معنى إسناد المس بالنصب والعذاب إلى الشيطان ، فإن الشيطان لا تأثير له في بني آدم بغير الوسوسة كما هو مقرر من مكرر آيات القرآن وليس النصب والعذاب من الوسوسة ولا من آثارها . وتأولوا ذلك على أقوال تتجاوز العشرة وفي أكثرها سماجة وكلها مبني على حملهم الباء في قوله : بنصب ﴾ على أنها باء التعدية لتعدية فعل ﴿ مسني ﴾ ، أو باء الآلة مثل : ضربه بالعصا ، أو يؤول النصب والعذاب إلى معنى المفعول الثاني من باب أعطى .
والوجه عندي : أن تحمل الباء على معنى السببية بجعل النصب والعذاب مسببين