تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك قام في قوله تعالى : ﴿ إذ قاموا فقالوا في سورة الكهف ﴾ .

وقيل : إن الانطلاق هنا على حقيقته ، أي وانصرف الملأ منهم عن مجلس أبي طالب . و ﴿ الملأ ﴾ : سادة القوم قال ابن عطية : قائل ذلك عقبة بن أبي معيط . وقال غير ابن عطية : إن من القائلين أبا جهل ، والعاصي بن وائل ، والأسود بن عبد يغوث .

و ﴿ أن ﴾ تفسيرية لأن الانطلاق إن كان مجازا فهو في الشروع فقد أريد به الشروع في الكلام فكان فيه معنى القول دون حروفه فاحتاج إلى تفسير بكلام مقول ، وإن كان الانطلاق على حقيقته فقد تضمن انطلاقهم عقب التقاول بينهم بكلامهم الباطل ﴿ هاذا ساحر ﴾ ( ص : 4 ) إلى قوله : ﴿ عجاب ﴾ ( ص : 5 ) يقتضي أنهم انطلقوا متحاورين في ماذا يصنعون . ولما أسند الانطلاق إلى الملأ منهم على أنهم ما كانوا لينطلقوا إلا لتدبير في ماذا يصنعون فكان ذلك مقتضيا تحاورا وتقاولا احتيج إلى تفسيره بجملة ﴿ أن امشوا واصبروا على ءالهتكم ﴾ الخ . والأمر بالمشي يحتمل أن يكون حقيقة ، أي انصرفوا عن هذا المكان مكان المجادلة ، واشتغلوا بالثبات على آلهتكم . ويجوز أن يكون مجازا في الاستمرار على دينهم كما يقال : كما سار الكرام ، أي اعمل كما عملوا ، ومنه سميت الأخلاق والأعمال المعتادة سيرة .

والصبر : الثبات والملازمة ، يقال : صبر الدابة إذا ربطها ، ومنه سمي الثبات عند حلول الضر صبرا لأنه ملازمة للحلم والأناة بحيث لا يضطرب بالجزع ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : ﴿ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ﴾ ( الفرقان : 42 ) . .

وحرف ﴿ على ﴾ يدل على تضمين ﴿ اصبروا ﴾ معنى : اعكفوا وأثبتوا ، فحرف ﴿ على ﴾ هنا للاستعلاء المجازي وهو التمكن مثل ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ ( البقرة : 5 ) . وليس هو حرف ﴿ على ﴾ المتعارف تعدية فعل الصبر به في نحو قوله : ﴿ اصبر على ما يقولون ﴾ ( المزمل : 10 ) فإن ذلك بمعنى ( مع ) ، ولذلك يخلفه اللام في مثل ذلك الموقع نحو قوله تعالى : ﴿ فاصبر لحكم ربك ﴾ ( القلم : 48 ) ، ولا بد هنا من تقدير مضاف ، أي على عبادة

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٣ · الصفحة ٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٣ · ص ٢١١