وهذه نكتة تعريف المسند إليه باسم الموصول لما في الصلة من الإيماء إلى وجه كونه الحق الكامل ، دون الإضمار الذي هو مقتضى الظاهر بأن يقال : وهو الكتاب الحق .
فالتعريف في ﴿ الكتاب ﴾ تعريف العهد .
و ﴿ من ﴾ بيانية لما في الموصول من الإبهام ، والتقدير : والكتاب الذي أوحينا إليك هو الحق . فقدم الموصول الذي حقه أن يقع صفة للكتاب تقديما للتشويق بالإبهام ليقع بعده التفصيل فيتمكن من الذهن فضل تمكن .
فجملة ﴿ والذي أوحينا إليك من الكتاب ﴾ معطوفة على جملة ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله ﴾ ( فاطر : 29 ) فهي مثلها في حكم الاستئناف .
وضمير ﴿ هو ﴾ ضمير فصل ، وهو تأكيد لما أفاده تعريف المسند من القصر .
والتعريف في ﴿ الحق ﴾ تعريف الجنس . وأفاد تعريف الجزأين قصر المسند على المسند إليه ، أي قصر جنس الحق على ﴿ الذي أوحينا إليك ﴾ ، وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد بحقية ما عداه من الكتب .
فأما الكتب غير الإلهية مثل ( الزند فستا ) كتاب ( زرادشت ) ومثل كتب الصابئة فلأن ما فيها من قليل الحق قد غمر بالباطل والأوهام .
وأما الكتب الإلهية كالتوراة والإنجيل وما تضمنته كتب الأنبياء كالزبور وكتاب أرميا من الوحي الإلهي ، فما شهد القرآن بحقيته فقد دخل في شهادة قوله : ﴿ مصدقا لما بين يديه ﴾ ، وما جاء نسخه بالقرآن فقد بين النسخ تحديد صلاحيته في القرآن . وذلك أيضا تصديق لها لأنه يدفع موهم بطلانها عند من يجد خلافها في القرآن وما عسى أن يكون قد نقل على تحريف أو تأويل فقد دخل فيما أخرجه القصر . وقد بين القرآن معظمه وكشف عن مواقعه كقوله : ﴿ وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ ( البقرة : 85 ) .
ومعنى ( ما بين يديه ) ما سبقه لأن السابق يجيء متقدما على المسبوق فكأنه يمشي بين يديه كقوله تعالى : ﴿ إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ﴾ ( سبأ : 46 ) .