تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النظر ، ومنه قولهم : لبيك وسعديك ، وقولهم : دواليك .

ويجوز أن يكون المعنى أن تقوموا لحق الله مستعينا أحدكم بصاحب له أو منفردا بنفسه فإن من أهل النظر من ينشط إليه بالمدارسة ما لا ينشطه بالخلوة . ومنهم من حاله بعكس هذا ، فلهذا اقتصر على ﴿ مثنى وفرادى ﴾ لأن ما زاد على ذلك لا اضطرار إليه . وقدم ﴿ مثنى ﴾ لأن الاستعانة أعون على الفهم فيكون المراد دفع عوائق الوصول إلى الحق بالنظر الصحيح الذي لا يغالط فيه صاحب هوى ولا شبهة ولا يخشى فيه الناظر تشنيعا ولا سمعة ، فإن الجماهير إذا اجتمعت لم يخل مجتمعهم من ذي هوى وذي شبهة وذي مكر وذي انتفاع ، وهؤلاء بما يلازم نواياهم من الخبث تصحبهم جرأة لا تترك فيهم وازعا عن الباطل ولا صدا عن الاختلاق والتحريف للأقوال بعمد أو خطأ ، ولا حياء يهذب من حدتهم في الخصام والأذى ، ثم يطيرون بالقالة وأعمال أهل السفالة .

فللسلامة من هذه العوائق والتخلص من تلك البوائق الصادة عن طريق الحق قيل هنا ﴿ مثنى وفرادى ﴾ فإن المرء إذا خلا بنفسه عند التأمل لم يرض لها بغير النصح ، وإذا خلا ثاني اثنين فهو إنما يختار ثانيه أعلق أصحابه به وأقربهم منه رأيا فسلم كلاهما من غش صاحبه .

وحرف ﴿ ثم ﴾ للتراخي في الرتبة لأن التفكر في أحوال النبي صلى الله عليه وسلم أهم في إصلاح حال المخاطبين المعرضين عن دعوته ، بخلاف القيام لله فإنهم لا يأبونه .

والتفكر : تكلف الفكر وهو العلم ، وتقدم عند قوله تعالى : { أفلا تتفكرون في الأنعام .

وقوله : ما بصاحبكم من جنة } نفي يعلق فعل ﴿ تتفكروا ﴾ عن العمل لأجل حرف النفي .

والمعنى : ثم تعلموا نفي الجنون عن صاحبكم ، أي تعلموا مضمون هذا . فجملة ﴿ ما بصاحبكم من جنة ﴾ معمولة ل ﴿ تتفكروا ﴾ . ومن وقف على ﴿ تتفكروا ﴾ لم يتقن التفكر .

والمراد بالصاحب : المخالط مطلقا بالموافقة وبالمخاصمة ، وهو كناية عن التبصر

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٢ · ص ٢٣٣