وجيء بحرف الظرفية للدلالة على إحاطة الشك بنفوسهم ويتعلق قوله : ﴿ منها ﴾ بقوله : ( بشك ) .
وجملة ﴿ وربك على كل شيء حفيظ ﴾ تذييل . والحفيظ : الذي لا يخرج عن مقدرته ما هو في حفظه ، وهو يقتضي العلم والقدرة إذ بمجموعهما تتقوم ماهية الحفظ ولذلك يتبع الحفظ بالعلم كثيرا كقوله تعالى : ﴿ إني حفيظ عليم ﴾ ( يوسف : 55 ) . وصيغة فعيل تدل على قوة الفعل وأفاد عموم ﴿ كل شيء ﴾ أنه لا يخرج عن علمه شيء من الكائنات فتنزل هذا التذييل منزلة الاحتراس عن غير المعنى الكنائي من قوله : ﴿ لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ﴾ ، أي ليظهر ذلك لكل أحد فتقوم الحجة لهم وعليهم .
( 22 ، 23 )
كانت قصة سبا قد ضربت مثلا وعبرة للمشركين من قريش وكان في أحوالهم مثيل لأحوال المشركين في أمن بلادهم وتيسير أرزاقهم وتأمين سبلهم في أسفارهم مما أشار إليه قوله تعالى : ﴿ أولم نمكن لهم حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ ( القصص : 57 ) وقوله : ﴿ لإيلاف قريش ﴾ ( قريش : 1 ) إلى آخر السورة ، ثم فيما قابلوا به نعمة الله بالإشراك به وكفران نعمته وإفحامهم دعاة الخير الملهمين من لدنه إلى دعوتهم ، فلما تقضى خبرهم لينتقل منه إلى تطبيق العبرة على من قصد اعتبارهم انتقالا مناسبته بينة وهو أيضا عود إلى إبطال أقوال المشركين ، وسيق لهم من الكلام ما هو فيه توقيف على أخطائهم ، وأيضا فلما جرى من استهواء الشيطان أهل سبا فاتبعوه وكان الشيطان مصدر الضلال وعنصر الإشراك أعقب ذكره بذكر فروعه وأوليائه .
وافتتح الكلام بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما هو متتابع في بقية هذه الآيات المتتابعة بكلمة ﴿ قل ﴾ فأمر بالقول تجديدا لمعنى التبليغ الذي هو مهمة كل القرآن .