بل أنتم قولوا أسمع ، قالوا : نقول كاهن ؟ قال : لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه . قالوا : فنقول مجنون ؟ قال : ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخلجه ولا وسوسته ، قالوا : فنقول شاعر ؟ قال : لقد عرفنا الشعر كله فما هو بالشعر ، فقالوا : فنقول ساحر ؟ قال : ما هو بنفثه ولا عقده ، قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : إن أقرب القول فيه أن تقولوا : ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته .
فلعل المشركين كانوا يستقبلون الواردين على مكة بهاته المقالة ﴿ هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد ﴾ طمعا منهم بأنها تصرف الناس عن النظر في الدعوة تلبسا باستحالة هذا الخلق الجديد .
ويرجح ذلك إتمامها بالاستفهام ﴿ أفترى على الله كذبا أم به جنة ﴾ .
ثم إن كان التقاول بين المشركين بعضهم لبعض ، فالتعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم ب ﴿ رجل ﴾ منكر مع كونه معروفا بينهم وعن أهل بلدهم ، قصدوا من تنكيره أنه لا يعرف تجاهلا منهم . قال السكاكي ( كأن لم يكونوا يعرفون منه إلا أنه رجل ما ) .
وإن كان قول المشركين موجها إلى الواردين مكة في الموسم ، كان التعبير ب ﴿ رجل ﴾ جريا على مقتضى الظاهر لأن الواردين لا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ولا دعوته فيكون كقول أبي ذر ( قبل إسلامه ) لأخيه ( اذهب فاستعلم لنا خبر هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيء ) .
ومعنى : ﴿ ندلكم ﴾ نعرفكم ونرشدكم . وأصل الدلالة الإرشاد إلى الطريق الموصل إلى مكان مطلوب . وغالب استعمال هذا الفعل أن يكون إرشاد من يطلب معرفة ، وبذلك فالآية تقتضي أن هذا القول يقولونه للذين يسألونهم عن خبر رجل ظهر بينهم يدعي النبوءة فيقولون : هل ندلكم على رجل يزعم كذا ، أي ليس بنبيء بل مفتر أو مجنون ، فمورد الاستفهام هو ما تضمنه قولهم : ﴿ إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة ﴾ أي هل