والأظهر أن المراد من ﴿ الذين أوتوا العلم ﴾ من آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة لأنهم أوتوا القرآن . وفيه علم عظيم هم عالموه على تفاضلهم في فهمه والاستنباط منه ، فقد كان الواحد من أهل مكة يكون فظا غليظا حتى إذا أسلم رق قلبه وامتلأ صدره بالحكمة وانشرح لشرائع الإسلام واهتدى إلى الحق وإلى الطريق المستقيم . وأول مثال لهؤلاء وأشهره وأفضله هو عمر بن الخطاب للبون البعيد بين حالتيه في الجاهلية والإسلام . وهذا ما أعرب عنه قول أبي خراش الهذلي خالطا فيه الجد بالهزل :
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل
سوى العدل شيئا فاستراح العواذل
فإنهم كانوا إذا لقوا النبي صلى الله عليه وسلم أشرقت عليهم أنوار النبوءة فملأتهم حكمة وتقوى . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه : ( لو كنتم في بيوتكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة بأجنحتها ) . وبفضل ذلك ساسوا الأمة وافتتحوا الممالك وأقاموا العدل بين الناس مسلمهم وذميهم ومعاهدهم وملأوا أعين ملوك الأرض مهابة . وعلى هذا المحمل حمل { الذين أوتوا العلم في سورة الحج ويؤيده قوله تعالى : وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في سورة الروم .
وجملة ويهدي إلى صراط العزيز الحميد } في موضع المعطوف على المفعول الثاني ل ﴿ يرى ﴾ . والمعنى : يرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هاديا إلى العزيز الحميد ، وهو من عطف الفعل على الاسم الذي فيه مادة الاشتقاق وهو ﴿ الحق ﴾ فإن المصدر في قوة الفعل لأنه إما مشتق أو هو أصل الاشتقاق . والعدول عن الوصف إلى صيغة المضارع لإشعارها بتجدد الهداية وتكررها . وإيثار وصفي ﴿ العزيز الحميد ﴾ هنا دون بقية الأسماء الحسنى إيماء إلى أن المؤمنين حين يؤمنون بأن القرآن هو الحق والهداية استشعروا من الإيمان أنه صراط يبلغ به إلى العزة قال تعالى : ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ ( المنافقون : 8 ) ، ويبلغ إلى الحمد ، أي الخصال الموجبة للحمد ، وهي الكمالات من الفضائل والفواضل .