وجملة ﴿ كانوا أشد منهم قوة ﴾ بيان لجملة { كيف كان عاقبة الذين من قبلهم .
والشدة : صلابة جسم ، وتستعار بكثرة لقوة صفة من الأوصاف في شيء تشبيها لكمال الوصف وتمامه بالصلابة في عسر التحول . وتقدم في قوله : وأولوا بأس شديد في سورة النمل .
والقوة : حالة بها يقاوم صاحبها ما يوجب انخرامه ، فمن ذلك قوة البدن ، وقوة الخشب ، وتستعار القوة لما به تدفع العادية وتستقيم الحالة ؛ فهي مجموع صفات يكون بها بقاء الشيء على أكمل أحواله كما في قوله : نحن أولوا قوة } ( النمل : 33 ) فقوة الأمة مجموع ما به تدفع العوادي عن كيانها وتستبقي صلاح أحوالها من عدد حربية وأموال وأبناء وأزواج . وحالة مشركي قريش لا تداني أحوال تلك الأمم في القوة ، وناهيك بعاد فقد كانوا مضرب الأمثال في القوة في سائر أمورهم ، والعرب تصف الشيء العظيم في جنسه بأنه عادي نسبة إلى عاد .
وعطف ﴿ أثاروا ﴾ على ﴿ كانوا ﴾ فهو فعل مشتق من الإثارة بكسر الهمزة ، وهي تحريك أجزاء الشيء ، فالإثارة : رفع الشيء المستقر وقلبه بعد استقراره ، قال تعالى : ﴿ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا ﴾ ( الروم : 48 ) أي : تسوقه وتدفعه من مكان إلى مكان . وأطلقت الإثارة هنا على قلب تراب الأرض بجعل ما كان باطنا ظاهرا وهو الحرث ، قال تعالى : ﴿ لا ذلول تثير الأرض ﴾ ( البقرة : 71 ) ، وقال النابغة يصف بقر الوحش إذا حفرت التراب :
يثرن الحصى حتى يباشرن برده
إذا الشمس مجت ريقها بالكلاكل
ويجوز أن يكون ﴿ أثاروا ﴾ هنا تمثيلا لحال شدة تصرفهم في الأرض وتغلبهم على من سواهم بحال من يثير ساكنا ويهيجه ، ومنه أطلقت الثورة على الخروج عن الجماعة . وهذا الاحتمال أنسب بالمقصود الذي هو وصف الأمم بالقوة والمقدرة من احتمال أن تكون الإثارة بمعنى حرث الأرض لأنه يدخل في العمارة . وضمير ﴿ أثاروا ﴾ عائد إلى ما عاد إليه ضمير { كانوا أشد .
ومعنى عمارة الأرض : جعلها عامرة غير خلاء وذلك بالبناء والغرس والزرع .