تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كقول عمر يوم السقيفة : ( وكنت زوقت في نفسي مقالة ) أي في عقلي وباطني .

وحرف ﴿ في ﴾ من قوله ﴿ في أنفسهم ﴾ يجوز أن يكون للظرفية الحقيقية الاعتبارية فيكون ظرفا لمصدر ﴿ يتفكروا ، أي تفكرا مستقرا في أنفسهم . وموقع هذا الظرف مما قبله موقع معنى الصفة للتفكر . وإذ قد كان التفكر إنما يكون في النفس فذكر في أنفسهم لتقوية تصوير التفكر وهو كالصفة الكاشفة لتقرر معنى التفكر عند السامع ، كقوله ولا تخطه بيمينك ﴾ ( العنكبوت : 48 ) وقوله ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ ( الأنعام : 38 ) ، وتكون جملة ﴿ ما خلق الله السماوات والأرض ﴾ الخ على هذا مبينة لجملة ﴿ يتفكروا إذ مدلولها هو ما يتفكرون فيه كقوله تعالى : أم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ﴾ ( الأعراف : 184 ) .

ويجوز أن يكون ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية متعلقة بفعل ﴿ يتفكروا تعلق المفعول بالفعل ، أي يتدبروا ويتأملوا في أنفسهم . والمراد بالأنفس الذوات فهو في معنى قوله تعالى وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ ( الذاريات : 21 ) ؛ فإن حق النظر المؤدي إلى معرفة الوحدانية وتحقق البعث أن يبدأ بالنظر في أحوال خلقة الإنسان قال تعالى : ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ ( المؤمنون : 115 ) وهذا كقوله تعالى : ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ﴾ ( الأعراف : 185 ) أي في دلالة ملكوت السماوات والأرض ، وتكون جملة ﴿ ما خلق الله السماوات والأرض ﴾ الخ على هذا التفسير بدل اشتمال من قوله ﴿ أنفسهم ﴾ إذ الكلام على حذف مضاف ، تقديره : في دلالة أنفسهم ، فإن دلالة ﴿ أنفسهم ﴾ تشتمل على دلالة خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق لأن ﴿ أنفسهم ﴾ مشمولة لما في الأرض من الخلق ودالة على ما في الأرض ، وكذلك يطلق ما في الأرض دال على خلق أنفسهم .

وعلى الاحتمالين وقع تعليق فعل ﴿ يتفكروا ﴾ عن العمل في مفعولين لوجود النفي بعده . ومعنى { خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق : أن خلقهم ملابس للحق .

والحق هنا هو ما يحق أن يكون حكمة لخلق السماوات والأرض وعلة له ، وحق كل ماهية ونوع هو ما يحق أن يتصرف به من الكمال في خصائصه وأنه به

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢١ · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢١ · ص ٥٢