تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إليك . ونظرهم إليه نظر المتفرس فيماذا يصنع ولسان حالهم يقول : ألسنا قد قلنا لكم إنكم لا قبل لكم بقتال الأحزاب فارجعوا ، وهم يرونه أنهم كانوا على حق حين يحذرونه قتال الأحزاب ، ولذلك خص نظرهم بأنه للنبيء صلى الله عليه وسلم ولم يقل : ينظرون إليكم . وجيء بصيغة المضارع ليدل على تكرر هذا النظر وتجدده .

وجملة ﴿ تدور أعينهم ﴾ حال من ضمير ﴿ ينظرون ﴾ لتصوير هيئة نظرهم نظر الخائف المذعور الذي يحدق بعينيه إلى جهات يحذر أن تأتيه المصائب من إحداها .

والدور والدوران : حركة جسم رحوية أي كحركة الرحى منتقل من موضع إلى موضع فينتهي إلى حيث ابتدأ . وأحسب أن هذا الفعل وما تصرف منه مشتقات من اسم الدار ، وهي المكان المحدود المحيط بسكانه بحيث يكون حولهم . ومنه سميت الدارة لكل أرض تحيط بها جبال . وقالوا : دارت الرحى حول قطبها . وسموا الصنم : دوارا بضم الدال وفتحها لأنه يدور به زائروه كالطواف . وسميت الكعبة دوارا أيضا ، وسموا ما يحيط بالقمر دارة . وسميت مصيبة الحرب دائرة لأنهم تخيلوها محيطة بالذي نزلت به لا يجد منها مفرا ، قال عنترة :

ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر

في الحرب دائرة على ابني ضمضم

فمعنى ﴿ تدور أعينهم ﴾ أنها تضطرب في أجفانها كحركة الجسم الدائرة من سرعة تنقلها محملقة إلى الجهات المحيطة . وشبه نظرهم بنظر الذي يغشى عليه بسبب النزع عند الموت فإن عينيه تضطربان .

وذهاب الخوف مجاز مشهور في الانقضاء ، أي : زوال أسبابه بأن يترك القتال أو يتبين أن لا يقع قتال . وذلك عند انصراف الأحزاب عن محاصرة المدينة كما سيدل عليه قوله ﴿ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ﴾ ( الأحزاب : 20 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢١ · الصفحة ٢٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢١ · ص ٢٩٧