وقول المنافقين هذا يحتمل أن يكونوا قالوه علنا بين المسلمين قصدوا به إدخال الشك في قلوب المؤمنين لعلهم يردونهم عن دينهم فأوهموا بقولهم ﴿ ما وعدنا الله ورسوله ﴾ الخ . . . أنهم ممن يؤمن بالله ورسوله ، فنسبة الغرور إلى الله ورسوله إما على معنى التشبيه البليغ وإما لأنهم بجهلهم يجوزون على الله أن يغر عباده ، ويحتمل أنهم قالوا ذلك بين أهل ملتهم فيكون نسبة الوعد إلى الله ورسوله تهكما كقول فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ ( الشعراء : 27 ) .
والغرور : ظهور الشيء المكروه في صورة المحبوب ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد في سورة آل عمران ، وقوله تعالى : زخرف القول غرورا في سورة الأنعام . والمعنى : أن الله وعدهم النصر فكان الأمر هزيمة وهم يعنون الوعد العام وإلا فإن وقعة الخندق جاءت بغتة ولم يرو أنهم وعدوا فيها بنصر . والذين في قلوبهم مرض ﴾ هم الذين كانوا مترددين بين الإيمان والكفر فأخلصوا يومئذ النفاق وصمموا عليه .
والمراد بالطائفة الذين قالوا : ﴿ يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ﴾ عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه . كذا قال السدي . وقال الأكثر : هو أوس بن قيظي أحد بني حارثة ، وهو والد عرابة بن أوس الممدوح بقول الشماخ :
رأيت عرابة الأوسي يسمو
إلى الخيرات منقطع القرين
في جماعة من منافقي قومه . والظاهر هو ما قاله السدي لأن عبد الله بن أبي رأس المنافقين ، فهو الذي يدعو أهل يثرب كلهم .
وقوله ﴿ لا مقام لكم ﴾ قرأه الجمهور بفتح الميم وهو اسم لمكان القيام ، أي : الوجود . وقرأه حفص عن عاصم بضم الميم ، أي : محل الإقامة . والنفي هنا بمعنى نفي المنفعة فلما رأى هذا الفريق قلة جدوى وجودهم جعلها كالعدم ، أي لا فائدة لكم في ذلك ، وهو يروم تخذيل الناس كما فعل يوم أحد .
و { يثرب : اسم مدينة الرسول ، وقال أبو عبيدة يثرب : اسم أرض والمدينة