للذين تبنوهم ؟ فأجيب ببيان أن ذلك القسط فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة ، أي : هو قسط كامل وغيره جور على الآباء الحق والأدعياء ، لأن فيه إضاعة أنسابهم الحق . والغرض من هذا الاستئناف تقرير ما دل عليه قوله ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ﴾ ( الأحزاب : 4 ) لتعلم عناية الله تعالى بإبطال أحكام الجاهلية في التبني ، ولتطمئن نفوس المسلمين من المتبنين والأدعياء ومن يتعلق بهم بقبول هذا التشريع الذي يشق عليهم إذ ينزع منهم إلفا ألفوه .
ولهذا المعنى الدقيق فرع عليه قوله : ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ، ﴾ فجمع فيه تأكيدا للتشريع بعدم التساهل في بقاء ما كانوا عليه بعذر أنهم لا يعلمون آباء بعض الأدعياء ، وتأنيسا للناس أن يعتاضوا عن ذلك الانتساب المكذوب اتصالا حقا لا يفوت به ما في الانتساب القديم من الصلة ، ويتجافى به عما فيه من المفسدة فصاروا يدعون سالما متبنى أبي حذيفة : سالما مولى أبي حذيفة ، وغيره ، ولم يشذ عن ذلك إلا قول الناس للمقداد بن عمرو : المقداد بن الأسود ، نسبة للأسود بن عبد يغوث الذي كان قد تبناه في الجاهلية كما تقدم .
قال القرطبي : لما نزلت هذه الآية قال المقداد : أنا المقداد بن عمرو ، ومع ذلك بقي الإطلاق عليه ولم يسمع فيمن مضى من عصى مطلق ذلك عليه ولو كان متعمدا اه . وفي قول القرطبي : ولو كان متعمدا ، نظر ، إذ لا تمكن معرفة تعمد من يطلق ذلك عليه . ولعله جرى على ألسنة الناس المقداد بن الأسود فكان داخلا في قوله تعالى : ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ لأن ما جرى على الألسنة مظنة النسيان ، والمؤاخذة بالنسيان مرفوعة .
وارتفاع ﴿ إخوانكم ﴾ على الإخبار عن مبتدأ محذوف هو ضمير الأدعياء ، أي : فهم لا يعدون أن يوصفوا بالإخوان في الإسلام إن لم يكونوا موالي أو يوصفوا بالموالي إن كانوا موالي بالحلف أو بولاية العتاقة وهذا استقراء تام . والإخبار بأنهم إخوان وموال كناية عن الإرشاد إلى دعوتهم بأحد هذين الوجهين .
والواو للتقسيم وهي بمعنى ( أو ) فتصلح لمعنى التخيير ، أي : فإن لم تعلموا