ولإفادة هذا المعنى قيد بقوله ﴿ بأفواهكم ﴾ فإنه من المعلوم أن القول إنما هو بالأفواه فكان ذكر ﴿ بأفواهكم ﴾ مع العلم به مشيرا إلى أنه قول لا تتجاوز دلالته الأفواه إلى الواقع ونفس الأمر فليس له من أنواع الوجود إلا الوجود في اللسان والوجود في الأذهان دون الوجود في العيان ، ونظير هذا قوله تعالى : ﴿ كلا إنها كلمة هو قائلها ﴾ ( المؤمنون : 100 ) أي : لا تتجاوز ذلك الحد ، أي : لا يتحقق مضمونها في الخارج وهو الإرجاع إلى الدنيا في قول الكافر : ﴿ رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ﴾ ( المؤمنون : 99 100 ) ، فعلم من تقييده ﴿ بأفواهكم ﴾ أنه قول كاذب لا يطابق الواقع وزاده تصريحا بقوله ﴿ والله يقول الحق ﴾ فأومأ إلى أن قولهم ذلك قول كاذب . ولهذا عطفت عليه جملة ﴿ والله يقول الحق ﴾ لأنه داخل في الفذلكة لما تقدم من قوله ﴿ ما جعل الله ﴾ الخ . فمعنى كونها أقوالا : أن ناسا يقولون : جميل له قلبان ، وناسا يقولون لأزواجهم : أنت كظهر أمي ، وناسا يقولون للدعي : فلان ابن فلان ، يريدون من تبناه .
وانتصب ﴿ الحق ﴾ على أنه صفة لمصدر محذوف مفعول به ل ﴿ يقول . ﴾ تقديره : الكلام الحق ، لأن فعل القول لا ينصب إلا الجمل أو ما هو في معنى الجملة نحو ﴿ إنها كلمة هو قائلها ﴾ ( المؤمنون : 100 ) ، فالهاء المضاف إليها ( قائل ) عائدة إلى ﴿ كلمة ﴾ وهي مفعول أضيف إليها . وفي الإخبار عن اسم الجلالة وضميره بالمسندين الفعليين إفادة قصر القلب ، أي : هو يقول الحق لا الذين وضعوا لكم تلك المزاعم ، وهو يهدي السبيل لا الذين أضلوا الناس بالأوهام . ولما كان الفعلان متعديين استفيد من قصرهما قصر معموليهما بالقرينة ، ثم لما كان قول الله في المواضع الثلاثة هو الحق والسبيل كان كناية عن كون ضده باطلا ومجهلة . فالمعنى : وهم لا يقولون الحق ولا يهدون السبيل .
و { السبيل : الطريق السابلة الواضحة ، أي : الواضح أنها مطروقة فهي مأمونة الإبلاغ إلى غاية السائر فيها . وإذا تقرر أن تلك المزاعم الثلاثة لا تعدو أن تكون ألفاظا ساذجة لا تحقق لمدلولاتها في الخارج اقتضى ذلك انتفاء الأمرين اللذين جعلا توطئة وتمهيدا