تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله : ﴿ من فوقهم ﴾ بيان للغشيان لتصويره تفظيعا لحاله كقوله : ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ ( الأنعام : 38 ) وتأكيدا لمعنى الغشيان لرفع احتمال المجاز ، فهو في موضع الحال من ﴿ العذاب ﴾ وهي حال مؤكدة .

وقوله : ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ احتراس عما قد يوهمه الغشيان من الفوقية خاصة ، أي تصيبهم نار من تحتهم تتوهج إليهم وهم فوقها ، ولما كان معطوفا على الحال بالواو وكان غير صالح لأن يكون قيدا ل ﴿ يغشاهم ﴾ لأن الغشيان هو التغطية فتقتضي العلو تعين تقدير فعل يتعلق به ﴿ من تحت أرجلهم ﴾ ، وهو أن يقدر عامل محذوف . وقد عد هذا العمل من خصائص الواو في العطف أن تعطف عاملا محذوفا دل عليه معموله كقول عبد الله بن الزبعرى :

يا ليت زوجكك قد غدا

متقلدا سيفا ورمحا

يريد : وممسكا رمحا لأن الرمح لا يتقلد يصلح أن يكون مفعولا معه وأبو عبيدة والأصمعي والجرمي واليزيدي ، ومن وافقهم يجعلون هذا من قبيل تضمين الفعل معنى فعل صالح للتعلق بالمذكور فيقدر في هذه الآية تضمين فعل ﴿ يغشاهم ﴾ معنى ( يصيبهم ) و ( يأخذهم ) . والمقصود من هذا الكناية عن أن العذاب محيط بهم ، فلذلك لم يذكر الجانبان الأيمن والأيسر لأن الغرض من الكناية قد حصل . والمقام مقام إيجاز لأنه مقام غضب وتهديد بخلاف قوله تعالى : ﴿ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ ( الأعراف : 17 ) لأنه حكاية لإلحاح الشيطان في الوسوسة .

وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي : ﴿ ويقول ﴾ بالياء التحتية والضمير عائد إلى معلوم من المقام . فالتقدير : ويقول الله . وعدل عن ضمير التكلم على خلاف مقتضى الظاهر على طريقة الالتفات على رأي كثير من أيمة البلاغة ، أو يقدر : ويقول الملك الموكل بجهنم ، أو التقدير : ويقول العذاب ، بأن يجعل الله للنار أصواتا كأنها قول القائل : ﴿ ذوقوا ﴾ . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بالنون وهي نون العظمة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢١ · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢١ · ص ٢٠