هو مساق الحديث ولا معنى لأخذه على ظاهره حتى نذهب إلى تجزئة البر بين الأم والأب أثلاثا أو أرباعا وهو ما استشكله القرافي في ( فائدة من الفرق الثالث والعشرين ) ، وحسبنا نظم هذه الآية البديع في هذا الشأن . وأما لفظ الحديث فهو مسوق لتأكيد البر بالأم خشية التفريط فيه . وليس معنى ( ثم ) فيه إلا محاكاة قول السائل ( ثم من ) بقرينة أنه عطف بها لفظ الأم في المرتين ولا معنى لتفضيل الأم على نفسها في البر . وإذ كان السياق مسوقا للاهتمام تعين أن عطف الأب على الأم في المرة الثالثة عطف في الاهتمام فلا ينتزع منه ترجيح عند التعارض . ولعل الرسول عليه الصلاة والسلام علم من السائل إرادة الترخيص له في عدم البر . وقد قال مالك لرجل سأله : أن أباه في بلد السودان كتب إليه أن يقدم عليه وأن أمه منعته فقال له مالك : أطع أباك ولا تعصص أمك . وهذا يقتضي إعراضه عن ترجيح جانب أحد الأبوين وأنه متوقف في هذا التعارض ليحمل الابن على ترضية كليهما . وقال الليث : يرجح جانب الأم . وقال الشافعي : يرجح جانب الأب .
وجملة ﴿ وفصاله في عامين ﴾ عطف على جملة ﴿ حملته أمه ﴾ الخ ، فهي في موقع الحال أيضا . وفي الجملة تقدير ضمير رابط إياها بصاحبها ، إذ التقدير : وفصالها إياه ، فلما أضيف الفصال إلى مفعوله علم أن فاعله هو الأم .
والفصال : اسم للفطام ، فهو فصل عن الرضاعة . وتقدم في قوله { فإن أرادا فصالا في سورة البقرة . وذكر الفصال في معرض تعليل حقية الأم بالبر ، لأنه يستلزم الإرضاع من قبل الفصال ، وللإشارة إلى ما تتحمله الأم من كدر الشفقة على الرضيع حين فصاله ، وما تشاهده من حزنه وألمه في مبدأ فطامه . وذكر لمدة فطامه أقصاها وهو عامان لأن ذلك أنسب بالترقيق على الأم ، وأشير إلى أنه قد يكون الفطام قبل العامين بحرف الظرفية لأن الظرفية تصدق مع استيعاب المظروف جميع الظرف ، ولذلك فموقع في أبلغ من موقع ( من ) التبعيضية في قول سبرة بن عمرو الفقعسي :