هو العلة للإعراض عن آيات الكتاب الحكيم ، فهم لما أثبتوا الإلهية لما لا يخلق شيئا كانوا كمن يزعم أن الأصنام مماثلة لله تعالى في أوصافه فذلك يقتضي انتفاء وصف الحكمة عنه كما هو منتف عنها . ولذا فإن موقع هذه الآيات موقع دليل الدليل ، وهو المقام المعبر عنه في علم الاستدلال بالتدقيق ، وهو ذكر الشيء بدليله ودليل دليله ، فالخطاب في قوله ﴿ ترونها ﴾ و ﴿ بكم ﴾ للمشركين ، وقد تقدم في سورة الرعد قوله : ﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ، وتقدم في أول سورة النحل قوله وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ﴾ والمعنى خوف أن تميد بكم أو لئلا تميدكم كما بين هنالك . وتقدم في سورة البقرة قوله : ﴿ وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح ﴾ .
وقوله ﴿ أنزلنا من السماء ماء ﴾ وهو نظير قوله في سورة البقرة { وما أنزل الله من السماء من ماء وقوله في سورة الرعد أنزل من السماء ماء فسالت أودية .
والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله وأنزلنا } للاهتمام بهذه النعمة التي هي أكثر دورانا عند الناس . وضمير ﴿ فيها ﴾ عائد إلى الأرض .
والزوج : الصنف ، وتقدم في قوله تعالى { فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى في طه وقوله وأنبتت من كل زوج بهيج في سورة الحج .
والكريم : النفيس في نوعه ، وتقدم عند قوله تعالى إني ألقي إلي كتاب كريم في سورة النمل .
وقد أدمج في أثناء دلائل صفة الحكمة الامتنان بما في ذلك من منافع للخلق بقوله أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة } فإن من الدواب المبثوثة ما ينتفع به الناس من أكل لحوم أوانسها ووحوشها والانتفاع بألبانها وأصوافها وجلودها وقرونها وأسنانها والحمل عليها والتجمل بها في مرابطها وغدوها ورواحها ، ثم من نعمة منافع النبات من الحب والثمر والكلأ والكمأة . وإذ كانت البحار من جملة الأرض فقد شمل الانتفاع بدواب البحر فالله كما أبدع الصنع أسبغ النعمة فأرانا آثار الحكمة والرحمة .