عجب في صدور ذلك منهم فإنهم كانوا يجيئون بمثل تلك الأوهام مدة كونهم في الدنيا ، فتصرفهم أوهامهم عن اليقين ، وكانوا يقسمون على عقائدهم كما في قوله : ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ ( النحل : 38 ) استخفافا بالأيمان ، وكذلك إشارة إلى انصرافهم عن الحق يوم البعث . والمشار إليه هو المشبه به والمشبه محذوف دل عليه كاف التشبيه ، والتقدير : إفكا مثل إفكهم هذا كانوا يؤفكون به في حياتهم الدنيا . والمقصود من التشبيه المماثلة والمساواة .
والإفك بفتح الهمزة : الصرف وهو من باب ضرب ، ويعدى إلى الشيء المصروف عنه بحرف ( عن ) ، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى : ﴿ ليقولن الله فأنى يؤفكون ﴾ في سورة العنكبوت . ولم يسند إفكهم إلى آفك معين لأن بعض صرفهم يكون من أوليائهم وأيمة دينهم ، وبعضه من طبع الله على قلوبهم .
وإقحام فعل ﴿ كانوا ﴾ للدلالة على أن المراد في زمان قبل ذلك الزمن ، أي في زمن الحياة الدنيا . والمعنى : أن ذلك خلق تخلقوا به وصار لهم كالسجية في حياتهم الدنيا حتى إذا أعاد الله إليهم أرواحهم صدر عنهم ما كانوا تخلقوا به وقال تعالى : ﴿ قال رب لم حشرتني أعماى وقد كنت بصيرا قال كذالك أتتك آياتنا فنسيتها وكذالك اليوم تنسى وكذالك نجزي من أسرف ﴾ الآية ( طه : 125 127 ) وفي هذا الخبر أدب عظيم للمسلمين أن يتحاموا الرذائل والكبائر في الحياة الدنيا خشية أن تصير لهم خلقا فيحشروا عليها .
جعل الله منكري البعث هدفا لسهام التغليظ والافتضاح في وقت النشور ، فلما سمع المؤمنون الذين أوتوا علم القرآن وأشرقت عقولهم في الحياة الدنيا بالعقائد