تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

علمت أنه نجا . وهذا المحمل يساعده أيضا ما شاع من قولهم : فلان خلي البال : إذا كان لا هم بقلبه . وهو تفسير أبي عبيدة والأخفش والكسائي وهذا أحسن ما فسرت به وهو من معنى الثناء عليها بثباتها . وعن ابن عباس من طرق شتى أنه قال : فارغا من كل شيء إلا ذكر موسى . وفي هذا شيء من رباطة جاشها إذ فرغ لبها من كل خاطر يخطر في شأن موسى .

وأما زيادة ما أداه الاستثناء بقوله : إلا ذكر موسى ، فلعله انتزعه من قوله ﴿ إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ وإلا فليس في الآية ما يؤذن بذلك الاستثناء . وهذا التفسير يقتضي الجمع بين الثناء عليها بحسن ثقتها بالله والإشارة إلى ضعف الأمومة بالتشوق إلى ولدها وإن كانت عالمة بأنه يتقلب في أحوال صالحة به وبها .

وأما الأقوال الراجعة إلى الناحية الثانية فقال ابن عطية والقرطبي عن ابن القاسم عن مالك : الفراغ هو ذهاب العقل . قال ابن عطية : هو كقوله تعالى ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ ( إبراهيم : 43 ) أي لا عقول فيها . وفي ( الكشاف ) : أي لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع . وقال ابن زيد والحسن وابن إسحاق : أصبح فارغا من تذكر الوعد الذي وعدها الله إذ خامرها خاطر شيطاني فقالت في نفسها : إني خفت عليه من القتل فألقيته بيدي في يد العدو الذي أمر بقتله . قال ابن عطية : وقالت فرقة : فارغا من الصبر . ولعله يعني من الصبر على فقده . وكل الأقوال الراجعة إلى هذه الناحية ترمي إلى أن أم موسى لم تكن جلدة على تنفيذ ما أمرها الله تعالى وأن الله تداركها بوضع اليقين في نفسها .

وجملة ﴿ إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ تكون بالنسبة للتفسير الأول استئنافا بيانيا لما اقتضاه فعل ﴿ أصبح ﴾ من أنها كانت على حالة غير حالة فراغ فبينت بأنها كانت تقارب أن تظهر أمر ابنها من شدة الاضطراب فإن الاضطراب ينم بها .

فالمعنى : أصبح فؤادها فارغا ، وكادت قبل ذلك أن تبدي خبر موسى في مدة إرضاعه من شدة الهلع والإشفاق عليه أن يقتل . وعلى تفسير ابن عباس تكون جملة ﴿ إن كادت ﴾ بمنزلة عطف البيان على معنى ﴿ فارغا ﴾ . وهي دليل على الاستثناء المحذوف . فالتقدير : فارغا إلا من ذكر موسى فكادت

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٠ · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٠ · ص ٨١