تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك أعقب بجملة ﴿ ثم الله ينشىء النشأة الآخرة ﴾ فهي جملة مستقلة . ( وثم ) للترتيب الرتبي كما تقدم في قوله ﴿ ثم يعيده ﴾ ( العنكبوت : 19 ) .

وإظهار اسم الجلالة بعد تقدم ضميره في قوله ﴿ كيف بدأ الخلق ﴾ وكان مقتضى الظاهر أن يقول : ثم ينشىء . قال في ( الكشاف ) : لأن الكلام كان واقعا في الإعادة فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء ، فالذي لم يعجزه الإبداء فهو الذي وجب أن لا تعجزه الإعادة . فكأنه قال : ثم ذاك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشىء النشأة الآخرة فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ اه . يريد أن العدول عن الإضمار إلى الإسم الظاهر لتسجيل وقوع هذا الإنشاء الثاني ، فتكون الجملة مستقلة حتى تكون عنوان اعتقاد بمنزلة المثل لأن في اسم الجلالة إحضارا لجميع الصفات الذاتية التي بها التكوين ، وليفيد وقوع المسند إليه مخبرا عنه بمسند فعلي معنى التقوي .

وجملة ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ تذييل ، أي قدير على البعث وعلى كل شيء إذا أراده . وإظهار اسم الجلالة لتكون جملة التذييل مستقلة بنفسها فتجري مجرى الأمثال .

و ﴿ النشأة ﴾ بوزن فعلة : المرة من النشء وهو الإيجاد ، وكذلك قرأها الجمهور ، عبر عنها بصيغة المرة لأنها نشأة دفعية تخالف النشء الأول ويقال : النشاءة بمد بعد الشين بوزن الكآبة ومثلها الرأفة والرءافة .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ النشاءة ﴾ بالمد . ووصفها ب ﴿ الآخرة ﴾ إيماء بأنها مساوية للنشأة الأولى فلا شبهة لهم في إحالة وقوعها . وأما قوله تعالى ﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى ﴾ ( الواقعة : 62 ) فذلك على سبيل المشاكلة التقديرية لأن قوله قبله ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون ﴾ ( الواقعة : 61 ) يتضمن النشأة الآخرة فعبر عن مقابلتها بالنشأة .

( 21 ) .

لما ذكر النشأة الآخرة أتبع ذكرها بذكر أهم ما تشتمل عليه وما أوجدت لأجله وهو الثواب والعقاب .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٠ · الصفحة ٢٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٠ · ص ٢٣١