تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السير على قدم الغاوين يبرر الغواية ، وهذا كما حكى عنهم في سورة الشعراء ( 96 ، 99 ) : ﴿ قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون ﴾ . وحذف مفعول فعل ﴿ أغوينا ﴾ الأول وهو العائد من الصلة إلى الموصول لكثرة حذف أمثاله من كل عائد صلة هو ضمير نصب متصل وناصبه فعل أو وصف شبيه بالفعل ، لأن اسم الموصول مغن عن ذكره ودال عليه فكان حذف العائد اختصارا . وذكر مفعول فعل ﴿ أغويناهم ﴾ الثاني اهتماما بذكره لعدم الاستغناء عنه في الاستعمال .

وجملة ﴿ تبرأنا إليك ﴾ استئناف . والتبرؤ : تفعل من البراءة وهي انتفاء ما يصم ، فالتبرؤ : معالجة إثبات البراءة وتحقيقها . وهو يتعدى إلى من يحاول إثبات البراءة لأجله بحرف ( إلى ) الدال على الانتهاء المجازي ؛ يقال : إني أبرأ إلى الله من كذا ، أي أوجه براءتي إلى الله ، كما يتعدى إلى الشيء الذي يصم بحرف ( من ) الاتصالية التي هي للابتداء المجازي قال تعالى ﴿ فبراه الله مما قالوا ﴾ ( الأحزاب : 69 ) . وقد تدخل ( من ) على اسم ذات باعتبار مضاف مقدر نحو قوله تعالى ﴿ وقال إني بريء منكم ﴾ ( الأنفال : 48 ) أي من كفركم . والتقدير : من أعمالكم وشؤونكم إما من أعمال خاصة يدل عليها المقام أو من عدة أعمال .

فالمعنى هنا تحقق التبرؤ لديك والمتبرأ منه هو مضمون جملة ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ فهي بيان لإجمال التبرؤ .

والمقصود : أنهم يتبرؤون من أن يكونوا هم المزعوم أنهم شركاء وإنما قصارى أمرهم أنهم مضلون وكان هذا المقصد إلجاء من الله إياهم ليعلنوا تنصلهم من ادعاء أنهم شركاء على رؤوس الملأ ، أو حملهم على ذلك ما يشاهدون من فظاعة عذاب كل من ادعى المشركون له الإلهية باطلا لما سمعوا قوله تعالى ﴿ إنكم وما تعبدون عن دون الله حصب جهنم ﴾ ( الأنبياء : 98 ) . هذا ما انطوت عليه هذه الآية من المعاني .

وتقديم ﴿ إيانا ﴾ على ﴿ يعبدون ﴾ دون أن يقال يعبدوننا للاهتمام بهذا التبرؤ مع الرعاية على الفاصلة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٠ · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٠ · ص ١٥٩