تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبيانه أن قوله ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ﴾ ( القصص : 43 ) مسوق مساق إبطال تعجب المشركين من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حين لم يسبقها رسالة رسول إلى آبائهم الأولين ، كما علمت مما تقدم آنفا ، فذكرهم بأن الله أرسل موسى كذلك بعد فترة عظيمة ، وأن الذين أرسل إليهم موسى أثاروا مثل هذه الشبهة فقالوا ﴿ ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ﴾ ( القصص : 36 ) فكما كانت رسالة موسى عليه السلام بعد فترة من الرسل كذلك كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى : فكان المشركون حقيقين بأن ينظروا رسالة محمد برسالة موسى ولكن الله أنشأ قرونا أي أمما بين زمن موسى وزمنهم فتطاول الزمن فنسي المشركون رسالة موسى فقالوا ﴿ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ﴾ ( ص : 7 ) . وحذف بقية الدليل وهو تقدير : فنسوا ، للإيجاز لظهوره من قوله ﴿ فتطاول عليهم العمر ﴾ كما قال تعالى عن اليهود حين صاروا يحرفون الكلم عن مواضعه ﴿ ونسوا حظا مما ذكروا به ﴾ ( المائدة : 13 ) ، وقال عن النصارى ﴿ أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ﴾ ( المائدة : 14 ) وقال لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ﴾ ( الحديد : 16 ) ، فضمير الجمع في قوله ﴿ عليهم ﴾ عائد إلى المشركين لا إلى القرون .

فتبين أن الاستدراك متصل بقوله ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ﴾ ( القصص : 43 ) وأن ما بين ذلك وبين هذا استطراد . وهذا أحسن في بيان اتصال الاستدراك مما احتفل به صاحب ( الكشاف ) . ولله دره في استشعاره ، وشكر الله مبلغ جهده . وهو بهذا مخالف لموقع الاستدراكين الآتيين بعده من قوله ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ وقوله ﴿ ولكن رحمة من ربك ﴾ ( القصص : 46 ) . و ﴿ العمر ﴾ الأمد كقوله ﴿ فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ﴾ ( يونس : 16 ) .

.

هذا تكرير للدليل بمثل آخر مثل ما في قوله ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ ( القصص : 44 ) أي ما كنت مع موسى في وقت التكليم ولا كنت في أهل مدين إذ جاءهم موسى وحدث بينه وبين شعيب ما قصصنا عليك .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٠ · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٠ · ص ١٣١