أحد لآخر فقد كفاه شيئا مهما ؛ لأن الماء قوام الحياة ، فضربوا ذلك مثلا للتعاون على الأمر النافع الذي به قوام الحياة والتمثيل بأحوال الماء في مثل هذا منه قول علي ( اللهم عليك بقريش فإنهم قد قطعوا رحمي وأكفأوا إنائي ) تمثيلا لإضاعتهم حقه .
وقوله : ﴿ من بعد موسى ﴾ إعلام بأن أصحاب هذه القصة كانوا مع نبيء بعد موسى ، فإن زمان موسى لم يكن فيه نصب ملوك على بني إسرائيل وكأنه إشارة إلى أنهم أضاعوا الانتفاع بالزمن الذي كان فيه رسولهم بين ظهرانيهم ، فكانوا يقولون : اذهب أنت وربك فقاتلا ، وكان النصر لهم معه أرجى لهم ببركة رسولهم ، والمقصود التعريض بتحذير المسلمين من الاختلاف على رسولهم .
وتنكير نبيء لهم للإشارة إلى أن محل العبرة ليس هو شخص النبي فلا حاجة إلى تعيينه ، وإنما المقصود حال القوم وهذا دأب القرآن في قصصه ، وهذا النبي هو صمويل وهو بالعربية شمويل بالشين المعجمة ولذلك لم يقل : إذ قالوا لنبيهم ، إذ لم يكن هذا النبي معهودا عند السامعين حتى يعرف لهم بالإضافة .
وفي قوله : ﴿ لنبيء لهم ﴾ تأييد لقول علماء النحو إن أصل الإضافة أن تكون على تقدير لام الجر ، ومعنى ﴿ ابعث لنا ملكا ﴾ عين لنا ملكا ؛ وذلك أنه لما لم يكن فيهم ملك في حالة الحاجة إلى ملك فكأن الملك غائب عنهم ، وكأن حالهم يستدعي حضوره فإذا عين لهم شخص ملكا فكأنه كان غائبا عنهم فبعث أي أرسل إليهم ، أو هو مستعار من بعث البعير أي إنهاضه للمشي .
وقوله : ﴿ هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ﴾ الآية ، استفهام تقريري وتحذير ، فقوله : ﴿ ألا تقاتلوا ﴾ مستفهم عنه بهل وخبر لعسى متوقع ، ودليل على جواب الشرط ﴿ إن كتب عليكم القتال ﴾ وهذا من أبدع الإيجاز فقد حكى جملا كثيرة وقعت في كلام بينهم ، وذلك أنه قررهم على إضمارهم نية عدم القتال اختبارا وسبرا لمقدار عزمهم عليه ، ولذلك جاء في الاستفهام بالنفي فقال ما يؤدي معنى ( هل لا تقاتلون ) ولم يقل : هل تقاتلون ؛ لأن المستفهم عنه هو الطرف الراجح عند المستفهم ، وإن كان الطرف الآخر مقدرا ، وإذا خرج الاستفهام إلى معانيه المجازية كانت حاجة المتكلم إلى اختيار الطرف الراجح متأكدة . وتوقع منهم عدم القتال وحذرهم من عدم القتال إن فرض عليهم ، فجملة : ﴿ ألا تقاتلوا ﴾ يتنازع معناها كل من هل وعسى وإن ، وأعطيت لعسى ، فلذلك قرنت بإن ، وهي دليل للبقية فيقدر لكل عامل ما يقتضيه . والمقصود من هذا الكلام التحريض لأن ذا الهمة يأنف