تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السكت وإما أن يكون القول مجازا عن الإنذار بالموت ، والموت حقيقة ، أي أراهم الله مهالك شموا منها رائحة الموت ، ثم فرج الله عنهم فأحياهم . وإما أن يكون كلاما حقيقيا بوحي الله ، لبعض الأنبياء ، والموت موت مجازي ، وهو أمر للتحقير شتما لهم ، ورماهم بالذل والصغار ، ثم أحياهم ، وثبت فيهم روح الشجاعة .

والمقصود من هذا موعظة المسلمين بترك الجبن ، وأن الخوف من الموت لا يدفع الموت ، فهؤلاء الذين ضرب بهم هذا المثل خرجوا من ديارهم خائفين من الموت ، فلم يغن خوفهم عنهم شيئا ، وأراهم الله الموت ثم أحياهم ، ليصير خلق الشجاعة لهم حاصلا بإدراك الحس . ومحل العبرة من القصة هو أنهم ذاقوا الموت الذي فروا منه ، ليعلموا أن الفرار لا يغني عنهم شيئا ، وأنهم ذاقوا الحياة بعد الموت ، ليعلموا أن الموت والحياة بيد الله ، كما قال تعالى : ﴿ قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ﴾ ( الأحزاب : 16 ) .

وجملة : ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ الآية هي المقصود الأول ، فإن ما قبلها تمهيد لها كما علمت ، وقد جعلت في النظم معطوفة على جملة ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ عطفا على الاستئناف ، فيكون لها حكم جملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، ولولا طول الفصل بينها وبين جملة ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ ( البقرة : 216 ) ، لقلنا : إنها معطوفة عليها على أن اتصال الغرضين يلحقها بها بدون عطف .

وجملة ﴿ واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ حث على القتال وتحذير من تركه بتذكيرهم بإحاطة علم الله تعالى بجميع المعلومات : ظاهرها وباطنها . وقدم وصف سميع ، وهو أخص من عليم ، اهتماما به هنا ؛ لأن معظم أحوال القتال في سبيل الله من الأمور المسموعة ، مثل جلبة الجيش وقعقعة السلاح وصهيل الخيل . ثم ذكر وصف عليم لأنه يعم العلم بجميع المعلومات ، وفيها ما هو من حديث النفس مثل خلق الخوف ، وتسويل النفس القعود عن القتال ، وفي هذا تعريض بالوعد والوعيد .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢ · الصفحة ٤٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢ · ص ٤٨٠