تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

داحضة عند ربهم } ( الشورى : 16 ) ، وهذا هو فقه اللغة كما أشار إليه ( الكشاف ) ، وأما ما خالفه من كلام بعض أهل اللغة فهو من تخليط الإطلاق الحقيقي والمجازي ، وإنما أرادوا التفصي من ورود الاستثناء وأشكل عليهم الاستثناء لأن المستثنى محكوم عليه بنقيض حكم المستثنى منه عند قاطبة أهل اللسان والعلماء ، إلا خلافا لا يلتفت إليه في علم الأصول ، فصار هذا الاستثناء مقتضيا أن ﴿ الذين ظلموا ﴾ لهم عليكم حجة ، فأجاب صاحب ( الكشاف ) بأنه إنما أطلق عليه حجة لمشابهته للحجة في سياقهم إياه مساق البرهان أي فاستثناء ﴿ الذين ظلموا ﴾ يقتضي أنهم يأتون بحجة أي بما يشبه الحجة ، فحرف ﴿ إلا ﴾ يقتضي تقدير لفظ حجة مستعملا في معناه المجازي ، وإطلاق اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي ليس ببدع لاسيما مع الإتيان بلفظ يخالف الأول على أنه قد يجعل الاستثناء منقطعا بمعنى لكن الذين ظلموا يشغبون عليكم فلا تخشوهم .

وجملة ﴿ ولأتم نعمتي ﴾ تعليل ثان لقوله : ﴿ فولوا وجوهكم شطره ﴾ معطوف على قوله : ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة ﴾ بذلك الاعتبار الذي بيناه آنفا وهو أنه تعليل الامتثال فالمعنى أمرتكم بذلك لأتم نعمتي عليكم باستيفاء أسباب ذلك الإتمام ومنها أن تكون قبلتكم إلى أفضل بيت بني لله تعالى ، ومعلوم أن تمام النعمة بامتثال ما أمرنا به وجماع ذلك الاستقامة وبها دخول الجنة . وقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إتمام النعمة دخول الجنة ) ، أي غاية إتمام النعمة علينا دخول الجنة ولم يكن ذلك في تفسير هذه الآية ولكنه من جملة معناها ( ) فالمراد بالإتمام هنا إعطاء الشيء وافرا من أول الأمر لا إتمامه بعد أن كان ناقصا ، فهو قريب من قوله تعالى : ﴿ فأتمهن ﴾ ( البقرة : 124 ) أي امتثلهن امتثالا تاما وليس المراد أنه فعل بعضها ثم فعل بعضا آخر ، فمعنى الآية ولتكون نعمتي نعمة وافرة في كل حال .

وقوله : ﴿ ولعلكم تهتدون ﴾ عطف على ﴿ ولأتم ﴾ أي أمرتكم بذلك رجاء امتثالكم فيحصل الاهتداء منكم إلى الحق . وحرف لعل في قوله : ﴿ ولعلكم تهتدون ﴾ مجاز في لازم معنى الرجاء وهو قرب ذلك وتوقعه . ومعنى جعل ذلك القرب علة أن استقبالهم الكعبة مؤذن بأنهم يكونون معتدين

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢ · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢ · ص ٤٧