تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولائك هم الظالمون } .
جملة ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ﴾ معترضة بين جملة ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا ﴾ وما اتصل بها ، وبين الجملة المفرعة عليها وهي ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد ﴾ الآية . ومناسبة الاعتراض ما جرى في الكلام الذي قبلها من منع أخذ العوض عن الطلاق ، إلا في حالة الخوف من ألا يقيما حدود الله ، وكانت حدود الله مبينة في الكتاب والسنة ، فجيء بهذه الجملة المعترضة تبيينا ؛ لأن منع أخذ العوض على الطلاق هو من حدود الله .
وحدود الله استعارة للأوامر والنواهي الشرعية بقرينة الإشارة ، شبهت بالحدود التي هي الفواصل المجعولة بين أملاك الناس ، لأن الأحكام الشرعية ، تفصل بين الحلال والحرام ، والحق والباطل وتفصل بين ما كان عليه الناس قبل الإسلام ، وما هم عليه بعده .
والإقامة في الحقيقة الإظهار والإيجاد ، يقال : أقام حدا لأرضه ، وهي هنا استعارة للعمل بالشرع تبعا لاستعارة الحدود للأحكام الشرعية ، وكذلك إطلاق الاعتداء الذي هو تجاوز الحد على مخالفة حكم الشرع ، هو استعارة تابعة لتشبيه الحكم بالحد .
وجملة : ﴿ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ تذييل وأفادت جملة ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ حصرا وهو حصر حقيقي ، إذ ما من ظالم إلا وهو متعد لحدود الله ، فظهر حصر حال المتعدي حدود الله في أنه ظالم .
واسم الإشارة من قوله : ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ مقصود منه تمييز المشار إليه ، أكمل تمييز ، وهو من يتعدى حدود الله ، اهتماما بإيقاع وصف الظالمين عليهم .
وأطلق فعل ﴿ يتعد ﴾ على معنى يخالف حكم الله ترشيحا لاستعارة الحدود لأحكام الله ، وهو مع كونه ترشيحا مستعار لمخالفة أحكام الله ؛ لأن مخالفة الأمر والنهي تشبه مجاوزة الحد في الاعتداء على صاحب الشيء المحدود . وفي الحديث : ( ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ) .