تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| 2 ( 23 ) ﴿ وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا ﴾ . ) 2

كانوا في الجاهلية يعدون الأعمال الصالحة مجلبة لخير الدنيا لأنها ترضي الله تعالى فيجازيهم بنعم في الدنيا إذ كانوا لا يؤمنون بالبعث ، وقد قالت خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم حين تحير في أمر ما بدأه من الوحي وقال لها : ( لقد خشيت على نفسي ) ، فقالت : ( والله لا يخزيك الله أبدا . إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ) . فالظاهر أن المشركين إذا سمعوا آيات الوعيد يقولون في أنفسهم : لئن كان البعث حقا لنجدن أعمالا عملناها من البر تكون سببا لنجاتنا ، فعلم الله ما في نفوسهم فأخبر بأن أعمالهم تكون كالعدم يومئذ .

والقدوم مستعمل في معنى العمد والإرادة ، وأفعال المشي والمجيء تجيء في الاستعمال لمعاني القصد والعزم والشروع مثل : قام يفعل ، وذهب يقول ، وأقبل ، ونحوها . وأصل ذلك ناشىء عن تمثيل حال العامد إلى فعل باهتمام بحال من يمشي إليه ، فموقعه في الكلام أرشق من أن يقول : وعمدنا أو أردنا إلى ما عملوا .

و ﴿ من ﴾ في قوله : ﴿ من عمل ﴾ بيانية لإبهام ﴿ ما ﴾ وتنكير ﴿ عمل ﴾ للنوعية ، والمراد به عمل الخير ، أي إلى ما عملوه من جنس عمل الخير .

والهباء : كائنات جسمية دقيقة لا ترى إلا في أشعة الشمس المنحصرة في كوة ونحوها ، تلوح كأنها سابحة في الهواء وهي أدق من الغبار ، أي فجعلناه كهباء منثور ، وهو تشبيه لأعمالهم في عدم الانتفاع بها مع كونها موجودة بالهباء في عدم إمساكه مع كونه موجودا ، وهذا تشبيه بليغ وهو هنا رشيق . ونظيره قوله تعالى : ﴿ وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا ﴾ ( الواقعة : 5 ، 6 ) .

والمنثور : غير المنتظم ، وهو وصف كاشف لأن الهباء لا يكون إلا منثورا ، فذكر هذا الوصف للإشارة إلى ما في الهباء من الحقارة ومن التفرق .

| 2 ( 24 ) ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ﴾ . ) 2

استئناف ابتدائي جيء به لمقابلة حال المشركين في الآخرة بضدها من حال

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٩ · ص ٨