وهي في معلقة طرفة وفي معلقة لبيد وفي ميمية النابغة ، ويفتخرون بإتلاف المال ليتحدث العظماء عنهم بذلك ، قال الشاعر مادحا :
مفيد ومتلاف إذا ما أتيته
تهلل واهتز اهتزاز المهند
وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ولا يقتروا } بضم التحتية وكسر الفوقية من الإقتار وهو مرادف التقتير . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بفتح التحتية وكسر الفوقية من قتر من باب ضرب وهو لغة . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بفتح التحتية وضم الفوقية من فعل قتر من باب نصر .
والإقتار والقتر : الإجحاف والنقص مما تسعه الثروة ويقتضيه حال المنفق عليه . وكان أهل الجاهلية يقترون على المساكين والضعفاء لأنهم لا يسمعون ثناء العظماء في ذلك . وقد تقدم ذلك عند قوله : ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ﴾ ( البقرة : 180 ) .
والإشارة في قوله : ﴿ بين ذلك ﴾ إلى ما تقدم بتأويل المذكور ، أي الإسراف والإقتار .
والقوام بفتح القاف : العدل والقصد بين الطرفين .
والمعنى : أنهم يضعون النفقات مواضعها الصالحة كما أمرهم الله فيدوم إنفاقهم وقد رغب الإسلام في العمل الذي يدوم عليه صاحبه ، وليسير نظام الجماعة على كفاية دون تعريضه للتعطيل فإن الإسراف من شأنه استنفاد المال فلا يدوم الإنفاق ، وأما الإقتار فمن شأنه إمساك المال فيحرم من يستأهله .
وقوله : ﴿ بين ذلك ﴾ خبر ﴿ كان ﴾ و ﴿ قواما ﴾ حال موكدة لمعنى ﴿ بين ذلك ﴾ . وفيها إشعار بمدح ما بين ذلك بأنه الصواب الذي لا عوج فيه . ويجوز أن يكون ﴿ قواما ﴾ خبر ﴿ كان ﴾ و ﴿ بين ذلك ﴾ ظرفا متعلقا به . وقد جرت الآية على مراعاة الأحوال الغالبة في إنفاق الناس . قال القرطبي : والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق يتصدق بجميع ماله ومنع غيره من ذلك .