وصيغة المضارع في قوله : ﴿ لا يأتونك ﴾ تشمل ما عسى أن يأتوا به من هذا النوع كقولهم : ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ﴾ ( الإسراء : 92 ) .
والاستثناء في قوله : ﴿ إلا جئناك بالحق ﴾ استثناء من أحوال عامة يقتضيها عموم الأمثال لأن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال .
وجملة ﴿ جئناك ﴾ حالية كما تقدم في قوله : ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ﴾ ( الفرقان : 20 ) .
وقوله ﴿ جئناك بالحق ﴾ مقابل قوله : ﴿ لا يأتونك بمثل ﴾ وهو مجيء مجازي . ومقابلة ﴿ جئناك بالحق ﴾ لقوله : ﴿ ولا يأتونك بمثل ﴾ إشارة إلى أن ما يأتون به باطل . مثال ذلك أن قولهم : ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ ( الفرقان : 7 ) ، أبطله قوله : ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ ( الفرقان : 20 ) .
والتعبير في جانب ما يؤيده الله من الحجة ب ﴿ جئناك ﴾ دون : أتيناك ، كما عبر عما يجيئون به ب ﴿ يأتونك ﴾ إما لمجرد التفنن ، وإما لأن فعل الإتيان إذا استعمل مجازا كثر فيما يسوء وما يكره ، كالوعيد والهجاء ، قال شقيق بن شريك الأسدي :
أتاني من أبي أنس وعيد
فسل لغيظة الضحاك جسمي
وقول النابغة :
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني
وقوله :
فليأتينك قصائد وليدفعن
جيشا إليك قوادم الأكوار
يريد قصائد الهجاء . وقول الملائكة للوط ﴿ وآتيناك بالحق ﴾ ( الحجر : 64 ) أي عذاب قومه ، ولذلك قالوا له في المجيء الحقيقي ﴿ بل جئناك بما كانوا فيه يمترون . وتقدم في سورة الحجر ( 63 ) ، وقال الله تعالى : أتاها أمرنا ليلا أو نهارا ﴾ ( يونس : 24 ) ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ ( النحل : 1 ) ﴿ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ﴾ ( الحشر : 2 ) ، بخلاف فعل المجيء إذا