و ﴿ إذ قال ﴾ ظرف ، أي كذبوه حين قال لهم ﴿ ألا تتقون ﴾ فقالوا : ﴿ أنؤمن لك ﴾ ( الشعراء : 111 ) . ويظهر أن قوله : ﴿ ألا تتقون ﴾ صدر بعد أن دعاهم من قبل وكرر دعوتهم إذ رآهم مصرين على الكفر ويدل لذلك قولهم في مجاوبته ﴿ واتبعك الأرذلون ﴾ ( الشعراء : 111 ) .
وخص بالذكر في هذه السورة هذا الموقف من مواقفه لأنه أنسب بغرض السورة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بذكر مماثل حاله مع قومه . والأخ مستعمل في معنى القريب من القبيلة . وقد تقدم في قوله تعالى : ﴿ وإلى عاد أخاهم هودا ﴾ في سورة الأعراف ( 65 ) .
وقوله : ﴿ ألا تتقون ﴾ يجوز أن يكون لفظ ﴿ ألا ﴾ مركبا من حرفين همزة استفهام دخلت على ( لا ) النافية ، فهو استفهام عن انتفاء تقواهم مستعمل في الإنكار وهو يقتضي امتناعهم من الامتثال لدعوته .
ويجوز أن يكون ﴿ ألا ﴾ حرفا واحدا هو حرف التحضيض مثل قوله تعالى : ﴿ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ﴾ ( التوبة : 13 ) وهو يقتضي تباطؤهم عن تصديقه .
والمراد بالتقوى : خشية الله من عقابه إياهم على أن جعلوا معه شركاء .
وجملة : ﴿ إني لكم رسول أمين ﴾ تعليل للإنكار أو للتحضيض ، أي كيف تستمرون على الشرك وقد نهيتكم عنه وأنا رسول لكم أمين عندكم .
وكان نوح موسوما بالأمانة لا يتهم في قومه كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يلقب الأمين في قريش . قال النابغة :
كذلك كان نوح لا يخون
وتأكيده بحرف التأكيد مع عدم سبق إنكارهم أمانته لأنه توقع حدوث الإنكار فاستدل عليهم بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة ، فإن الأمانة دليل على صدقه فيما بلغهم من رسالة الله ، كما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله : هل جربتم عليه ( يعني النبي صلى الله عليه وسلم كذبا ، فقال أبو سفيان : لا ونحن منه في مدة لا ندري ما فعل فيها . فقال له هرقل بعد ذلك : فقد علمت أنه ما كان ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله . ففي حكاية استدلال نوح بأمانته بين قومه في هذه