تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والشافع : الذي يكون واسطة جلب نفع لغيره أو دفع ضر عنه . وتقدم ذكر الشفاعة في قوله : ﴿ ولا تنفعها شفاعة ﴾ في البقرة ( 123 ) ، والشفيع في أول سورة يونس .

وأما قولهم : ﴿ ولا صديق حميم ﴾ فهو تتميم أثاره ما يلقونه من سوء المعاملة من كل من يمرون به أو يتصلون ، ومن الحرمان الذي يعاملهم كل من يسألونه الرفق بهم حتى علموا أن جميع الخلق تتبرأ منهم كما قال تعالى : ﴿ ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ﴾ فإن الصديق هو الذي يواسيك أو يسليك أو يتوجع ويومئذ حقت كلمة الله ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ﴾ ( الزخرف : 67 ) وتقدم الكلام على الصديق في قوله تعالى : ﴿ أو صديقكم ﴾ في سورة النور ( 61 ) .

والحميم : القريب ، فعيل من حم ( بفتح الحاء ) إذا دنا وقرب فهو أخص من الصديق .

والمراد نفي جنس الشفيع وجنس الصديق لوقوع الاسمين في سياق النفي المؤكد ب ﴿ من ﴾ الزائدة ، وفي ذلك السياق يستوي المفرد والجمع في الدلالة على الجنس . وإنما خولف بين اسمي هذين الجنسين في حكاية كلامهم إذ جيء ب ﴿ شافعين ﴾ جمعا ، وب ﴿ صديق ﴾ مفردا ، لأنهم أرادوا بالشافعين الآلهة الباطلة وكانوا يعهدونهم عديدين فجرى على كلامهم ما هو مرتسم في تصورهم . وأما الصديق فإنه مفروض جنسه دون عدد أفراده إذ لم يعنوا عددا معينا فبقي على أصل نفي الجنس ، وعلى الأصل في الألفاظ إذ لم يكن داع لغير الإفراد . والذي يبدو لي أنه أوثر جمع ﴿ شافعين ﴾ لأنه أنسب بصورة ما في أذهانهم كما تقدم . وأما إفراد ﴿ صديق ﴾ فلأنه أريد أن يجرى عليه وصف ﴿ حميم ﴾ فلو جيء بالموصوف جمعا لاقتضى جمع وصفه ، وجمع ﴿ حميم ﴾ فيه ثقل لا يناسب منتهى الفصاحة ولا يليق بصورة الفاصلة مع ما حصل في ذلك من التفنن الذي هو من مقاصد البلغاء .

ثم فرعوا على هذا التحسر والندامة تمني أن يعادوا إلى الدنيا ليتداركوا أمرهم في الإيمان بالله وحده .

و ( لو ) هذه للتمني ، وأصلها ( لو ) الشرطية لكنها تنوسي منها معنى الشرط .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٩ · ص ١٥٥