تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن قوله : ﴿ فكبكبوا فيها ﴾ ( الشعراء : 94 ) لأن السامع بحيث يسأل عن فائدة إيقاع الأصنام في النار مع أنها لا تفقه ولا تحس فبين له ذلك ، فحكاية مخاصمة عبدتها بينهم لأن رؤيتهم أصنامهم هو مثار الخصومة بينهم إذ رأى الأتباع كذب مضلليهم معاينة ولا يجد المضللون تنصلا ولا تفصيا ، فإن مذلة الأصنام وحضورها معهم وهم في ذلك العذاب أقوى شاهد على أنها لا تملك شيئا لهم ولا لأنفسها . 4

وأما جملة : ﴿ وهم فيها يختصمون ﴾ فهي في موضع الحال ، وجملة ﴿ تالله ﴾ مقول القول ، وجملة : ﴿ إن كنا لفي ضلال مبين ﴾ جواب القسم . و ﴿ إن ﴾ مخففة من ( إن ) الثقيلة وقد أهملت عن العمل بسبب التخفيف فإنه مجوز للإهمال . والجملة بعدها سادة مسد اسمها وخبرها . واقتران خبر ( كان ) باللام في الجملة التي بعدها للفرق بين ﴿ إن ﴾ المخففة المؤكدة وبين ( إن ) النافية ، والغالب أن لا تخلو الجملة التي بعد ﴿ إن ﴾ المخففة عن فعل من باب ( كان ) .

وجيء في القسم بالتاء دون الواو والباء لأن التاء تختص بالقسم في شيء متعجب منه كما تقدم في قوله تعالى : ﴿ قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض ﴾ في سورة يوسف ( 73 ) ، وقوله : ﴿ وتالله لأكيدن أصنامكم ﴾ في سورة الأنبياء ( 57 ) ، فهم يعجبون من ضلالهم إذ ناطوا آمالهم المعونة والنصر بحجارة لا تغني عنهم شيئا . ولذلك أفادوا تمكن الضلال منهم باجتلاب حرف الظرفية المستعار لمعنى الملابسة لأن المظروف شديد الملابسة لظرفه ، وأكدوا ذلك بوصفهم الضلال بالمبين ، أي الواضح البين . وفي هذا تسفيه منهم لأنفسهم إذ تمشى عليها هذا الضلال الذي ما كان له أن يروج على ذي مسكة من عقل .

و ﴿ إذ نسويكم ﴾ ظرف متعلق ب ﴿ كنا ﴾ أي كنا في ضلال في وقت إنا نسويكم برب العالمين . وليست ﴿ إذ ﴾ بموضوعة للتعليل كما توهمه الشيخ أحمد بن علوان التونسي الشهير بالمصري فيما حكاه عنه المقري في ( نفح الطيب ) في ترجمة أبي جعفر اللبلي في الباب الخامس من القسم الأول ، وإنما غشي عليه حاصل المعنى المجازي فتوهمه معنى من معاني ﴿ إذ ﴾ ومنه قول النابغة :

فعد عما ترى إذ

لا ارتجاع له

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · الصفحة ١٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٩ · ص ١٥٣