يوقظ عقولهم من سباتها . كأنه يذكر عقولهم الحق الذي نسيته بتقادم الزمان على ضلالات آبائهم التي سنوها لهم فصارت أهواء لهم ألفوها فلم يقبلوا انزياحا عنها وأعرضوا عن الحق بأنه خالفها ، فجعل إبلاغ الحق لهم بالأدلة بمنزلة تذكير الناسي شيئا طال عهده به كما قال عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري ( فإن الحق قديم ) قال تعالى ﴿ ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ﴾ ( يونس : 82 ) .
وعدي فعل ﴿ أتيناهم ﴾ بالباء لأنه استعمل مجازا في الإرسال والتوجيه .
والذكر يجوز أن يكون مصدرا بمعنى التذكير . ويجوز أن يكون اسما للكلام الذي يذكر سامعه بما غفل عنه وهو شأن الكتب الربانية . وإضافة الذكر إلى ضميرهم لفظية من الإضافة إلى مفعول المصدر .
والفاء لتفريع إعراضهم على الإتيان بالذكر إليهم ، أي فتفرع على الإرسال إليهم بالذكر إعراضهم عنه . والمعنى : أرسلنا إليهم القرآن ليذكرهم .
وقيل : إضافة الذكر إلى ضميرهم معنوية ، أي الذكر الذي سألوه حين كانوا يقولون ﴿ لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين ﴾ ( الصافات : 168 ، 169 ) فيكون الذكر على هذا مصدرا بمعنى الفاعل ، أي ما يتذكرون به . والفاء على هذا الوجه فاء فصيحة ، أي فها قد أعطيناهم كتابا فأعرضوا عن ذكرهم الذي سألوه كقوله تعالى : ( لو أن عندنا ذكرا من الأولين ( أي من رسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به ) ، وقول عباس بن الأحنف :
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا
ثم القفول فقد جئنا خراسان
وقوله تعالى : ﴿ أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ﴾ ( المائدة : 19 ) .
والتعبير عن إعراضهم بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات إعراضهم وتمكنه منهم . وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بذكرهم ليكون إعراضهم عنه محل عجب .