لقوم يعقلون } في سورة البقرة ( 164 ) أن إجراء وصف على لفظ ( قوم ) أو الإخبار بلفظ ( قوم ) متبوع باسم فاعل إنما يقصد منه تمكن ذلك الوصف من الموصوف بلفظ ( قوم ) أو تمكنه من أولئك القوم . فالمعنى هنا : أن استكبارهم على تلقي دعوة موسى وآياته وحجته إنما نشأ عن سجيتهم من الكبر وتطبعهم . فالعلو بمعنى التكبر والجبروت . وسيجيء بيانه عند قوله : ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ في سورة القصص ( 4 ) .
وبين ذلك بالتفريع بقوله : ﴿ فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ﴾ فهو متفرع على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ ، أي استكبر فرعون وملؤه عن اتباع موسى وهارون ، فأفصحوا عن سبب استكبارهم عن ذلك بقولهم ﴿ أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ﴾ . وهذا ليس من قول فرعون ولكنه قول بعض الملإ لبعض ، ولما كانوا قد تراوضوا عليه نسب إليهم جميعا . وأما فرعون فكان مصغيا لرأيهم ومشورتهم وكان له قول آخر حكي في قوله تعالى : ﴿ وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إلاه غيري ﴾ ( القصص : 38 ) فإن فرعون كان معدودا في درجة الآلهة لأنه وإن كان بشرا في الصورة لكنه اكتسب الإلهية بأنه ابن الآلهة .
والاستفهام في ﴿ أنؤمن ﴾ إنكاري ، أي ما كان لنا أن نؤمن بهما وهما مثلنا في البشرية وليسا بأهل لأن يكونا ابنين للآلهة لأنهما جاءا بتكذيب إلهية الآلهة ، فكان ملأ فرعون لضلالهم يتطلبون لصحة الرسالة عن الله أن يكون الرسول مباينا للمرسل إليهم ، فلذلك كانوا يتخيلون آلهتهم أجناسا غريبة مثل جسد آدمي ورأس بقرة أو رأس طائر أو رأس ابن آوى أو جسد أسد ورأس آدمي ، ولا يقيمون وزنا لتباين مراتب النفوس والعقول وهي أجدر بظهور التفاوت لأنها قرارة الإنسانية . وهذه الشبهة هي سبب ضلال أكثر الأمم الذين أنكروا رسلهم .
واللام في قوله : ﴿ لبشرين ﴾ لتعدية فعل ﴿ نؤمن ﴾ . يقال للذي يصدق المخبر فيما أخبر به : آمن له ، فيعدى فعل ( آمن ) باللام على اعتبار أنه