وتمكين الدين : انتشاره في القبائل والأمم وكثرة متبعيه . استعير التمكين الذي حقيقته التثبيت والترسيخ لمعنى الشيوع والانتشار لأنه إذا انتشر لم يخش عليه الانعدام فكان كالشيء المثبت المرسخ ، وإذا كان متبعوه في قلة كان كالشيء المضطرب المتزلزل . وهذا الوعد هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة منها حديث الحديبية إذ جاء فيه قوله : ( وإن هم أبوا ( أي إلا القتال ) فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ( أي ينفصل مقدم العنق عن الجسد ) ولينفذن الله أمره ) .
وقوله : ﴿ لهم ﴾ مقتضى الظاهر فيه أن يكون بعد قوله : ﴿ دينهم ﴾ لأن المجرور بالحرف أضعف تعلقا من مفعول الفعل ، فقدم ﴿ لهم ﴾ عليه للإيماء إلى العناية بهم ، أي بكون التمكين لأجلهم ، كتقديم المجرور على المفعولين في قوله : ﴿ ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك ﴾ ( الشرح : 1 ، 2 ) .
وإضافة الدين إلى ضميرهم لتشريفهم به لأنه دين الله كما دل عليه قوله عقبه : ﴿ الذي ارتضى لهم ﴾ ، أي الذي اختاره ليكون دينهم ، فيقتضي ذلك أنه اختارهم أيضا ليكونوا أتباع هذا الدين . وفيه إشارة إلى أن الموصوفين بهذه الصلة هم الذين ينشرون هذا الدين في الأمم لأنه دينهم فيكون تمكنه في الناس بواسطتهم .
وإنما قال : ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ﴾ ولم يقل : وليؤمننهم ، كما قال في سابقيه لأنهم ما كانوا يطمحون يومئذ إلا إلى الأمن ، كما ورد في حديث أبي العالية المتقدم آنفا ، فكانوا في حالة هي ضد الأمن ولو أعطوا الأمن دون أن يكونوا في حالة خوف لكان الأمن منة واحدة . وإضافة الخوف إلى ضميرهم للإشارة إلى أنه خوف معروف مقرر .
وتنكير ﴿ أمنا ﴾ للتعظيم بقرينة كونه مبدلا من بعد خوفهم المعروف بالشدة . والمقصود : الأمن من أعدائهم المشركين والمنافقين . وفيه بشارة بأن الله مزيل الشرك والنفاق من الأمة . وليس هذا الوعد بمقتض أن لا تحدث حوادث