تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على جملة ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ ( المؤمنون : 12 ) وإنما ذكر هذا عقب قوله : ﴿ ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ﴾ ( المؤمنون : 16 ) للتنبيه على أن الذي خلق هذا العالم العلوي ما خلقه إلا لحكمة ، وأن الحكيم لا يهمل ثواب الصالحين على حسناتهم ، ولا جزاء المسيئين على سيئاتهم ، وأن جعله تلك الطرائق فوقنا بحيث نراها ليدلنا على أن لها صلة بنا لأن عالم الجزاء كائن فيها ومخلوقاته مستقرة فيها ، فالإشارة بهذا الترتيب مثل الإشارة بعكسه في قوله : ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ﴾ ( الدخان : 38 40 ) .

والطرائق : جمع طريقة وهي اسم للطريق تذكر وتؤنث ، والمراد بها هنا طرائق سير الكواكب السبعة وهي أفلاكها ، أي الخطوط الفرضية التي ضبط الناس بها سموت سير الكواكب ، وقد أطلق على الكوكب اسم الطارق في قوله تعالى : ﴿ والسماء والطارق ﴾ ( الطارق : 1 ) من أجل أنه ينتقل في سمت يسمى طريقة فإن الساير في طريق يقال له : طارق ، ولا شك أن الطرائق تستلزم سائرات فيها ، فكان المعنى : خلقنا سيارات وطرائقها .

وذكر ﴿ فوقكم ﴾ للتنبيه على وجوب النظر في أحوالها للاستدلال بها على قدرة الخالق لها تعالى فإنها بحالة إمكان النظر إليها والتأمل فيها .

ولأن كونها فوق الناس مما سهل انتفاعهم بها في التوقيت ولذلك عقب بجملة ﴿ وما كنا عن الخلق غافلين ﴾ المشعر بأن في ذلك لطفا بالخلق وتيسيرا عليهم في شؤون حياتهم ، وهذا امتنان ، فالواو في جملة ﴿ وما كنا عن الخلق غافلين ﴾ للحال ، والجملة في موضع الحال ، وفيه تنبيه للنظر في أن عالم الجزاء كائن بتلك العوالم قال تعالى : ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾ ( الذاريات : 22 ) .

والخلق مفعول سمي بالمصدر ، أي ما كنا غافلين عن حاجة مخلوقاتنا يعني البشر ، ونفي الغفلة كناية عن العناية والملاحظة ، فأفاد ذلك أن في خلق الطرائق السماوية لما خلقت له لطفا بالناس أيضا إذ كان نظام خلقها صالحا

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٨ · ص ٢٧