تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخيبة مختلقة بنقيض قصدهم ، وانتفاع للمؤمنين بذلك ، وبين بادىء ذي بدء أنه لا يحسب شرا لهم بل هو خير لهم ، وأن الذين جاءوا به ما اكتسبوا به إلا إثما ، وما لحق المسلمين به ضر ، ونعى على المؤمنين تهاونهم وغفلتهم عن سوء نية مختلقيه ، وكيف ذهلوا عن ظن الخير بمن لا يعلمون منها إلا خيرا فلم يفندوا الخبر ، وأنهم اقتحموا بذلك ما يكون سببا للحاق العذاب بهم في الدنيا والآخرة ، وكيف حسبوه أمرا هينا وهو عند الله عظيم ، ولو تأملوا لعلموا عظمه عند الله ، وسكوتهم عن تغيير هذا ؛ أعقب ذلك كله بتحذير المؤمنين من العود إلى مثله من المجازفة في التلقي ، ومن الاندفاع وراء كل ساع دون تثبت في مواطىء الأقدام ، ودون تبصر في عواقب الإقدام .

والوعظ : الكلام الذي يطلب به تجنب المخاطب به أمرا قبيحا . وتقدم في آخر سورة النحل ( 125 ) .

وفعل ﴿ يعظكم ﴾ لا يتعدى إلى مفعول ثان بنفسه ، فالمصدر المأخوذ من ﴿ أن تعودوا ﴾ لا يكون معمولا لفعل ﴿ يعظكم ﴾ إلا بتقدير شيء محذوف ، أو بتضمين فعل الوعظ معنى فعل متعد ، أو بتقدير حرف جر محذوف ، فلك أن تضمن فعل ﴿ يعظكم ﴾ معنى التحذير . فالتقدير : يحذركم من العود لمثله ، أو يقدر : يعظكم الله في العود لمثله ، أو يقدر حرف نفي ، أي أن لا تعودوا لمثله ، وحذف حرف النفي كثير إذا دل عليه السياق ، وعلى كل الوجوه يكون في الكلام إيجاز .

والأبد : الزمان المستقبل كله ، والغالب أن يكون ظرفا للنفي .

وقوله : ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ تهييج وإلهاب لهم يبعث حرصهم على أن لا يعودوا لمثله لأنهم حريصون على إثبات إيمانهم ، فالشرط في مثل هذا لا يقصد بالتعليق ، إذ ليس المعنى : إن لم تكونوا مؤمنين فعودوا لمثله ، ولكن لما كان احتمال حصول مفهوم الشرط مجتنبا كان في ذكر الشرط بعث على الامتثال ، فلو تكلم أحد في الإفك بعد هذه الآية معتقدا وقوعه

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٨ · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٨ · ص ١٨٢