بالتهيؤ للقاء الغير وذلك هو إطلاقه في قوله : ﴿ إذ تلقونه بألسنتكم ﴾ . ففي قوله : ﴿ بألسنتكم ﴾ تشبيه الخبر بشخص وتشبيه الراوي للخبر بمن يتهيأ ويستعد للقائه استعارة مكنية فجعلت الألسن آلة للتلقي على طريقة تخييلية بتشبيه الألسن في رواية الخبر بالأيدي في تناول الشيء . وإنما جعلت الألسن آلة للتلقي مع أن تلقي الأخبار بالأسماع لأنه لما كان هذا التلقي غايته التحدث بالخبر جعلت الألسن مكان الأسماع مجازا بعلاقة الأيلولة . وفيه تعريض بحرصهم على تلقي هذا الخبر فهم حين يتلقونه يبادرون بالإخبار به بلا ترو ولا تريث . وهذا تعريض بالتوبيخ أيضا .
وأما قوله : ﴿ وتقولون بأفواهكم ﴾ فوجه ذكر ﴿ بأفواهكم ﴾ مع أن القول لا يكون بغير الأفواه أنه أريد التمهيد لقوله : ﴿ ما ليس لكم به علم ﴾ ، أي هو قول غير موافق لما في العلم ولكنه عن مجرد تصور لأن أدلة العلم قائمة بنقيض مدلول هذا القول فصار الكلام مجرد ألفاظ تجري على الأفواه .
وفي هذا من الأدب الأخلاقي أن المرء لا يقول بلسانه إلا ما يعلمه ويتحققه وإلا فهو أحد رجلين : أفن الرأي يقول الشيء قبل أن يتبين له الأمر فيوشك أن يقول الكذب فيحسبه الناس كذابا . وفي الحديث : ب ( حسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع ) ، أو رجل مموه مراء يقول ما يعتقد خلافه قال تعالى : ﴿ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ﴾ ( البقرة : 204 ) وقال : ﴿ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ ( الصف : 3 ) .
هذا في الخبر وكذلك الشأن في الوعد فلا يعد إلا بما يعلم أنه يستطيع الوفاء به . وفي الحديث : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ) .
وزاد في توبيخهم بقوله : ﴿ وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ﴾ ، أي تحسبون الحديث بالقذف أمرا هينا . وإنما حسبوه هينا لأنهم استخفوا الغيبة والطعن في الناس استصحابا لما كانوا عليه في مدة الجاهلية إذ لم يكن