تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر الوجوه والأدبار للتنكيل بهم وتخويفهم لأن الوجوه أعز الأعضاء على الناس كما قال عباس بن مرداس :

نعرض للسيوف إذا التقينا

وجوها لا تعرض لللطام

ولأن الأدبار يأنف الناس من ضربها لأن ضربها إهانة وهزي ، ويسمى الكسع .

والوجه الثاني : أن يكون ضمير ﴿ يكفون ﴾ عائدا إلى الذين كفروا ، والكف بمعنى الدرء والستر مجازا بعلاقة اللزوم ، أي حين لا يستطيعون أن يدفعوا النار عن وجوههم بأيديهم ولا عن ظهورهم . أي حين تحيط بهم النار مواجهة ومدابرة . وذكر الظهور بعد ذكر الوجوه عن هذا الاحتمال احتراس لدفع توهم أنهم قد يكفونها عن ظهورهم إن لم تشتغل أيديهم بكفها عن وجوههم .

وهذا الوجه هو الذي اقتصر عليه جميع من لدينا كتبهم من المفسرين . والوجه الأول أرجح معنى ، لأنه المناسب مناسبة تامة للكافرين الحاضرين المقرعين ولتكذيبهم بالوعيد بالهلاك في قولهم ﴿ متى هذا الوعد ﴾ ولقوله تعالى ﴿ سأريكم آياتي ﴾ ( الأنبياء : 37 ) كما تقدم .

وقوله تعالى : ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ عطف على ﴿ لا يكفون ﴾ أي لا يكف عنهم نفح النار ، أو لا يدفعون عن أنفسهم نفح النار ولا يجدون لهم ناصرا ينصرهم فهم واقعون في ورطة العذاب . وفي هذا إيماء إلى أنهم ستحل بهم هزيمة بدر فلا يستطيعون خلاصا منها ولا يجدون نصيرا من أحلافهم .

و ( بل ) للإضراب الانتقالي من تهويل ما أعد لهم ، إلى التهديد بأن ذلك يحل بهم بغتة وفجأة ، وهو أشد على النفوس لعدم التهيؤ له والتوطن عليه ، كما قال كثير :

فقلت لها يا عز كل مصيبة

إذا وطنت يوما لها النفس ذلت

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٧ · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٧ · ص ٧١