تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتعرض صورة أخرى وهي توزيع المقادير الكافية للانتفاع بها على أيام النحر الثلاثة بحيث لا يتعجل بنحر جميع الهدايا في اليوم الأول طلبا لفضيلة المبادرة ، فإن التقوى التي تصل إلى الله من تلك الهدايا هي تسليمها للنفع بها .

وهذا قياس على أصل حفظ الأموال كما فرضوه في بيع الفرس الحبس إذا أصابه ما يفضي به إلى الهلاك أو عدم النفع ، وهي المعاوضة لربع الحبس إذا خرب .

وحكم الهدايا مركب من تعبد وتعليل ، ومعنى التعليل فيه أقوى ، وعلته انتفاع المسلمين ، ومسلك العلة الإيماء الذي في قوله تعال : ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ ( الحج : 36 ) .

واعلم أن توهم التقرب بتلطيخ دماء القرابين وانتفاع المتقرب إليه بتلك الدماء عقيدة وثنية قديمة فربما كانوا يطرحون ما يتقربون به من لحم وطعام فلا يدعون أحدا يأكله . وكان اليونان يشوون لحوم القرابين على النار حتى تصير رمادا ويتوهمون أن رائحة الشواء تسر الآلهة المتقرب إليها بالقرابين ، وكان المصريون يلقون الطعام للتماسيح التي في النيل لأنها مقدسة .

وقرأ الجمهور ﴿ ينال ، ويناله ﴾ بتحتية في أولهما . وقرأه يعقوب بفوقية على مراعاة ما يجوز في ضمير جمع غير العاقل . وربما كانوا يقذفون بمزع من اللحم على أنها لله فربما أصابها محتاج وربما لم يتفطن لها فتأكلها السباع أو تفسد .

ويشمل التقوى ذكر اسم الله عليها والتصدق ببعضها على المحتاجين .

و ﴿ يناله ﴾ مشاكلة ل ﴿ ينال ﴾ الأول ، استعير النيل لتعلق العلم . شبه علم الله تقواهم بوصول الشيء المبعوث إلى الله تشبيها وجهه الحصول في كل وحسنته المشاكلة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٧ · الصفحة ٢٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٧ · ص ٢٦٩