ولو فعل أحد صمتا بدون نذر ولا قصد عبادة لم يكن حراما إلا إذا بلغ إلى حد المشقة المضنية .
وقد بقي عند النصارى اعتبار الصمت عبادة وهم يجعلونه ترحما على الميت أن يقفوا صامتين هنيهة .
ومعنى ﴿ فقولي إني نذرت للرحمانن صوما ﴾ فانذري صوما وإن لقيت من البشر أحدا فقولي : إني نذرت صوما فحذفت جملة للقرينة . وقد جعل القول المتضمن إخبارا بالنذر عبارة عن إيقاع النذر وعن الإخبار به كناية عن إيقاع النذر لتلازمهما لأن الأصل في الخبر الصدق والمطابقة للواقع مثل قوله تعالى : ﴿ قولوا آمنا بالله ﴾ ( البقرة : 136 ) . وليس المراد أنها تقول ذلك ولا تفعله لأن الله تعالى لا يأذن في الكذب إلا في حال الضرورة مع عدم تأتي الصدق معها ، ولذلك جاء في الحديث : ( إن في المعاريض مندوحة عن الكذب ) .
وأطلق القول على ما يدل على ما في النفس ، وهو الإيماء إلى أنها نذرت صوما مجازا بقرينة قوله ﴿ فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ . فالمراد أن تؤدي ذلك بإشارة إلى أنها نذرت صوما بأن تشير إشارة تدل على الانقطاع عن الأكل ، وإشارة تدل على أنها لا تتكلم لأجل ذلك ، فإن كان الصوم في شرعهم مشروطا بترك الكلام كما قيل فالإشارة الواحدة كافية ، وإن كان الصوم عبادة مستقلة قد يأتي بها الصائم مع ترك الكلام تشير إشارتين للدلالة على أنها نذرت الأمرين ، وقد علمت مريم أن الطفل الذي كلمها هو الذي يتولى الجواب عنها حين تسأل بقرينة قوله تعالى : ﴿ فأشارت إليه ﴾ ( مريم : 29 ) .